الخدمة الإلزامية و ضرورتها الوطنيَّة

المراقب العراقي – سعاد الراشد
يعود مصطلح الجند والتجنيد الى أزمان غابرة وله صلة بتاريخ المماليك والإمبراطوريات والكيانات التي تشكّلت عبر تاريخ الإنسانية وقد أخذ صورا متعمدة محورها إلزام القادرين على حمل السلاح والانخراط في العسكر من خلال اساليب القهر والقسوة إلا أنه مع تشكيل الدول الحديثة تنظّم في أشكال وقوانين جعلت منهم علامة للولاء الوطني والإخلاص للدولة واختلفت الدول في نظام التجنيد ومدده والعمر الرسمي له وحجم المجندين وطريقة الدعوة للخدمة الإلزامية والمحفزات والعقوبات .
عرف العراق الخدمة الإلزامية منذ عشرات السنين وكان الجيش في الحروب والصراعات التي كانت في معظمها حروب حكام وليست حروب دول فكان المعظم ضحايا لنزوات ورغبات جامحة كلف المجتمع العراقي ملايين الضحايا.
بعد الاحتلال الأمريكي وتنصيب بول بريمر حاكما مدنيا على العراق أصدر أمراً بحل الجيش من المكلفين والمتطوعين ومن ثم بناء جيش جديد بمواصفات جديدة اثبتت التحديات والتجارب انه مازال يحتاج الى الكثير من عوامل التقويم الجوهرية التي تؤهله ليكون خلفا صالحا للجيش العراقي .
«المراقب العراقي» سلطت الضوء على أسباب عدم عودة الخدمة الإلزامية ومدى أهميتها في الوقت الحاضر للشباب وهل الظروف التي يعيشها العراق تقتضي عودة الخدمة الإلزامية ؟ إذ تحدث بهذا الشأن المحلل السياسي فراس الهاشمي الذي يعتقد أن العراقيين أغلبهم نسي الخدمة الإلزامية التي كانت مفروضة على كل من يبلغ الثامنة عشرة لأنها كانت مصدر خوف وأذى إذ يحاول الكثير التهرب منها برغم قساوة العقوبات التي فرضتها الأنظمة لردع المتخلفين والهاربين ولكن من منطلقات وطنية وضرورات أمنية لا بدَّ من إعادة التجنيد الإلزامي ولكن بشروط ومواصفات تجعل منه محل جذب واستقطاب للشباب وليس محل فزع وخوف».
ويعتقد الهاشمي، ان عوامل الجذب الجديدة لا بدَّ ان تكون في العمر الذي يبدأ من سنة إحدى وعشرين ومن مدة الخدمة التي تكون قصيرة وليست كما كان في بعض مراحل التاريخ العراقي التي خدم فيها بعض دفعات التجنيد الإلزامي لمدة تجاوزت 15 سنة وبشكل مستمر.
مبيّنا «أن الأهمَّ من ذلك كله الراتب المجزي والمحفّز الذي يتمُّ اعتماده في مسودة القانون التي لم يستطع الداعون لها تمريرها في الدورات البرلمانية السابقة».
مضيفا: «لقد اثبتت الوقائع والمعطيات أن حل الجيش العراقي وإخراج جيش عريق في تاريخه وقدرته برغم الظروف الأمنية التي مرَّ بها التي لم تكن مصادفة أو اجراءاً اعتباطيا تمَّ أخذه بل هو جزء من مخطط منظّم لتحطيم كل امكانات الدولة العراقية واستنزاف خيراتها في عملية تأسيس ظلت عرجاء الى هذه اللحظة» بحسب تعبيره. وتابع الهاشمي حديثه: «من المهم ان تتمَّ مراجعة المنطلقات والمهام التي كانت يتحرك في سياقها التجنيد الإلزامي الذي حوّله صدام الى مورد فزع وخوف ومحل مضايقة وإزعاج مما جعل الجميع يحاولون التملّص منه بشتى الوسائل وخصوصاً أن الجيش كان مسخراً لخدمة الحاكم وحماية سلطته ونظامه ولو كان ذلك على حساب استخدام الجيش نفسه في قتل أبناء الشعب وهو ما حدث في أكثر من قضية ، أبرزها في قمع الانتفاضة الشعبانية».
ويرى الهاشمي «أن إعادة الخدمة الإلزامية لا بدَّ ان تكون مترافقة مع تصحيح جوهري عميق في المرتكز الشعبي وفي الرأي العام حول المهام الحقيقية للجيش بحيث يكون جيشا لحماية الدولة والشعب وليس عدوّاً لهما وخطرا عليهما».
موضّحا «ان هذه الخطوة تحتاج الى ضمانات قانونية عالية الدقة والإلزام كما لا بدَّ من دراسة المحفزات والمقيدات التي تجعل من عملية التوجه الى الخدمة الإلزامية تشارف على الطوعية ويشعر المنخرطون فيها أنهم يخدمون بشرف وطنهم مع امتيازات تناسب أوضاعهم المعيشية وحالتهم الاجتماعية».
في سياق متصل قال المحلل الأمني محمد اللامي «إن عرض قانون الخدمة الإلزامية بوصفه رغبة مكون معين او ذا هدف سياسي محدد يجعله عرضة لتحديات كبيرة ربما تعيق خروجه الى النور حتى في هذه الدورة الانتخابية «.
وقال اللامي: «لا بدَّ أن يُصحَّح مسار طرحه ويكون خيارا وطنيا ضروريا تقضيه متطلبات الأمن والسياسة والمجتمع لتشكّل جمعاً متنوعاً من جميع المكونات والمحافظات يتناسب والتوزيع السكاني ويخدم فيه أبناء الجنوب والشمال والعكس صحيح بحيث يصير مصدر طمأنينة لكل العراقيين.
ويعتقد اللامي ان هناك إرادات دولية وإقليمية مباشرة أو عبر بوابات داخلية ستحاول جاهدة ان تعيق عودة التجنيد الإلزامي الذي يعني عودة جيش مكون ملون بكل الألوان العراقية يقطع الطريق على اي تهديدات توجّه له بالانحياز الى هذه الجهة أو تلك.
ويرى اللامي ان هناك نظرة ضيقة الأفق للكثير يمكن ان تحاول تهييج الشارع العراقي وخلق رأي عام مناهض لفكرة عودة التجنيد لهذا لا بدَّ من العمل بحكمة و وعي على هذا الملف، بحسب تعبيره.



