النسخة الرقميةثقافية

نهاية العهد

محمد قشتو ـ المغرب

 

على حافة تلك القنة الشامخة المشمخرة أشار بأصبعه وقال لصاحبه: هل تراها؟
ـ نعم أراها!
ـ هل تعرف تلك الثلة من المخلصين التي طهرت الموضع؟
ـ نعم أعرفها!
ـ إنهم شباب أعياهم الجهل والتجهيل فانتفضوا ضده.
ـ وماذا فعلوا أيضا؟
ـ فعلوا شيئا عظيما؛ وكزوا تلك البغال العاجزة النائمة المدنسة لهذه المنابت المخضرة.
ـ وأين تلك البغال؟
ـ هل فهمت أولا؟
ـ صراحة لا، لأني لم أعتد رؤية البغال هنا.
ـ تابع معي وستفهم.. نحن على مشارف ألفين وخمسين أ ليس كذلك؟
ـ بلى!
ـ في تلك الرحبة الواسعة تجتمع البغال على هراء.
ـ وهل تتكلم البغال وتفهم حتى تجتمع؟
ـ يا هذا ركز معي؛ لا تذهب بعيدا.
ـ طيب سأحاول.
ـ البغال تتكلم طبعا وتأكل وتشرب وتلبس، لكنها لا تفهم.
ـ ولماذا لا تفهم ما دامت تتكلم؟
ـ إن الجهل والفهم لا يجتمعان في جنس واحد.
ـ آآآآآآه.. فهمت.
ـ ماذا فهمت؟
ـ فهمت أن البغل ملك لسيده، لذلك يجهل ولا يفهم.
ـ لكن.. إن فهمت حقا أنت.. فدلني لماذا يجهل ولا يفهم؟
ـ تسخر مني.. لأنه ببساطة يفعل بكد وجهد لسيده ومولاه وليس لحاشيته ولا يعلم لم ذلك كله.
ـ كل هذا يا صديقي مستحكم قبل نيف وثلاثين سنة.
ـ هلم.. تابع ماذا جرى بعد؟
ـ تنتظر.. أروي عطشي وظمئي.
ـ طيب.
هذان الشابين اللذان يبدوان على طلائعهما أنهما بنفس العمر، مخروا الأمواج مخرا، وقطعوا مئات الكيلومترات على الأرجل قطعا، بعدما تاهت بهم الحياة، وأخذوا عهدا على نفسيهما ألا يستسلموا لعدم أحقية الحياة بالعدالة والإنصاف.. وذلك بعدما أقفلت وأوصدت كل الأبواب في وجهيهما، لكن العزم الذي يمزق أحشاءهما وكأنه وقود لعقليهما وغذاء لفكرهما، لا تردهم نائبة الليل في حندسة الغابة، ولا رزية النهار بين القفار، كل منهما يحمل خمسة أشياء معلقة ببدنه لا تنفك عنه ولا يبرح عنها بعد ما بينهما (إيمان وعزم وقوة وأمل وحب)..
فأنطلقا قبيل عشرين سنة يضربان في طول البلاد وعرضها، فكان ذات ليلة أن ألقى بهم القدر بين أحضان أمواج بحر الزقاق في ركب كبير من السفار كل يبحث عن ضالته في بلاد غيره بعدما عجز عن إيجادها في بلده، وكان القائد (الحراك) عليهم يسألهم الدعاء بالنجاة، فلم يكونا يعلمان معنى: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) إلا في تلك الليلة الكالحة، تارة يغمرهما الأمل العظيم عندما يقتربان إلى الجهة المقابلة، وتارة يذهب ولا يبقى منه إلا الإستعداد لمعانقة هذه الأمواج بأية وسيلة.
ولو تذكر أحدهما وهما على هذه القنة تلك الليلة الليلاء لما ظن أن النجاة راكبة إلى جنبهم وتمسكوا بها عندما إشتد الإقتراب من الوصول وقفزوا لإستكمال السفر بالسباحة وخوض غمار البحر وهيجانه الفجري.. فكانت تلك الليلة أول قرار يعبر بهما إلى الوقوف على عتبة النجاح.
فبعدما لم ينالا فرصة قط في حفنة تراب سقطوا بها مع ماء الولادة نالاها بعدما بلغوا العشرين في بلاد المهجر، فأسسوا فيها ـ بعد تسوية وضعيتهم ـ جمعية باسم (جمعية المهاجرين للتعلم والمعرفة) وأصبحا يطويان السنوات والخبرة تكتسب والحالة تحسنت.
ولعل الهاجس الذي يراودهما عندما يجلسان على مائدة العشاء، [كيف حال البلاد] فسحقا لهذا الهاجس الذي لن يذهب من الفؤاد والعقل، ولن ينمحي وقد ألفا بلاد المهجر وما حوى.. بعد عشرين سنة مازالت حال البلاد تؤزهم أزا، ومازات جميع حيثياتها تخالط دماءهما وتجري في عروقهما… صحيح أن الإنسان جبل في فطرته على أنه لا ينس ولا يغفل موضعه الأول في هذه الدنيا، وأنه يسعى في خدمته، وأن هذه الخدمة هي المكتسبة، فالأشراف يخدمونها للصالح العام والبغال لصالح نفسها.
بعد جهد جهيد حاول الشابان نسي الماضي بكل تعلقه، وأن يقطعا الصلة بأيام البطالة وشهادة الماجيستر في يد كل واحد منهما.. لكن لهما نسيا أشياء أخرى أما ما يربطهما بحفنة تراب رأو فيها نور هذه الحياة في أول وهلة فمستحيل ذلك.
وها هما يطلان بنفس عزيزة على هذا الموضع الذي جرى عليهما ذات يوم ورفض أن يحتويهم ببطالتهم، ورفض أهله أن يكونا أنموذجا للشباب الواعي الصاعد.. لكن بعد الآن أظن أن الجميع سيتقبلهم ويستقبلهم بكل فرح وسرور، الآن بعد عشرين سنة من الغربة وهما يسوقان سيارة من النوع الفاخر، ويلبسان من الثياب آخر موضة، والنظارات فوق رؤوسهما، بعدما كانوا قبلها تسوقهما أرجلهما، ويرتديان البالي والرث من الثياب..
نزلا من تلك القمة، ودخلا من بابها وأستقبلا بحفاوة عديمة النظير، علها حفاوة شوق وحنين،،، جاءا أساسا على تبليغ رسالة قصيرة للكائنين تحت هذه الردهات، لا من أجل شيء آخر، فقد أصبحا الآن من الطاقات التي يزخر بها بلاد المهجر وعملهما في بلاد المهجر، وسكناهما في بلاد المهجر، حتى أولادهما سيتحدثون بلغة أهل المهجر بعدما تزوجوا بناتهم.
تجمعوا جميعا في ذلك الحقل اليانع والمنبت البديع يوصون أهلهما بالإهتمام بهذا الشباب الصاعد، فهو ذروة سنام هذا البلد وهذه القرية.
في معرض الحديث في ذلك المجلس قال الشاب لصاحبه: ماذا جاء بنا يا صاحبي؟
ـ جئنا لنروي ظمأ الغربة بأيام قلائل وكلمة للأهلون!
ـ وما هذه الكلمة يا صاحبي؟
ـ الشباب الصاعد الشباب الطموح!
ـ ما بالشباب الصاعد وما بال الشباب الطموح؟
ـ أغنوهم يا أهلي وفي تربتهم؟
ـ وكيف يغنونهم يا صاحبي؟
ـ قلدوهم الأمور ودعوهم يتقدمون بكم.
انتشر صخب عارم، وقال الصاحب للأهل: أعيرونا آذانكم فإننا ذاهبون لخدمة المهجر الذي أنقذنا من تعب البطالة وتولانا بعدما وصدت الأبواب في وجهينا، لم يجمعنا منذ عشرين سنة عمل ولا جد ولا بدل.. فإننا وهبنا أنفسنا لتلك البلاد التي حوتنا وأحتوتنا، فليس من الجميل نكران المعروف، وليس من شيم الرجال عدم الإعتراف بالجميل.. ولن يجمعنا بعد اليوم سوى هذا الحنين والشوق الذي جبلنا عليه، أما العمل فدعوا شباب اليوم فهذا هو عهدهم ولا تيأسوا من بطالتهم فهي جزء من حياة كل واحد منهم أو بالأحرى مرحلة اختبار لكل واحد منهم..
كان الأهل يمنون أنفسهم أن الشابين رجعا لخدمة أرضهما ووطنهما، لكن العادة أن ما زرعته لك حصاده، وما لم تسقِ لك ذبوله، وتركا الجمع بغير إذن بالذهاب، على أمل أن يسلموا الأمور لرجال الغد، أما الإحتكار والإستبداد فلا يجدي نفعا.
صعد الصاحب وصاحبه إلى القنة مجددا، ورفعوا أيديهما يودعون بها الجبال والأشجار والمدرسة والفقراء والمساكين، والحنين يجري الدمع على خذيهما.. فكان المظهر في غنى عن الكلام.. وكرا راجعين إلى أولادهم وأزواجهم في بلاد المهجر ، وقد بلغهم في يوم من الأيام هناك أن الشباب الصاعد وكزت البغال بعد طول مكث الذي دنس هذا الموضع المخضر بروثها وأنتهى عهدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى