«كوابيس بيروت» لغادة السمان: عندما تنشأ الحروب عن أزمة ثقافة وتقوم لأتفه الأسباب

يسرا يوسف الأطرش ـ ليبيا
بين الفينة والأخرى، يناغص نومنا كابوس مزعج يعكّر صفو هدوئه.. نصحو مفزوعين، نسترد الطمأنينة بأنه مجرد كابوس مُكبل في عوالم النوم ولن يعكّر صفو حياتنا. في رواية «كوابيس بيروت» حُررت كوابيس الكاتبة (غـــــادة السّــــــــمان) إلى العالم «الحيواتي» الفعلي.. لتكّبل كل معالم الحياة وتجد حالها وحال لبنان؛ حال دكان بائع الحيوانات الأليفة.
«وامتلأت ألماً لحال تلك المخلوقات السجينة البائسة (أم كنت أرى وجهي في مرآة؟ أم كنت أرى حيّنا بأكمله؟ مدينتنا؟).. وقررت سوف أطلق سراحها سوف أمنحها الحرية والفرح.. وغداً حين يأتي صاحب الدكان الذي يعتاش من بيعها، لن يجدها.. سأحررها من البؤس الذي تحياه…».
وأنا أقرأ سطور الرواية ـ التي تربو عن 300 صفحة ـ تحسست أنفاس حروفها ـ الكاتبة ـ الحارة حرارة جحيم الحروب، لامستني، اقتربت مني واقتربت من حالها، تلاشيت بينها، وصارت تروي حالنا.
ذات الحروب وذات الأسباب الغوغائية الجوفاء.. تقوم أعظم الحروب لأتفه الأسباب، لاختلافات عرقية، دينية، قبلية، حزبية، طائفية وحتى بسبب ناقة..!
أقامت في كابوسها الرابع مقارنة بين صوت القلم والصواريخ والنتيجة محتومة مسبقاً.
تساءلت -وهي- عن جدوى القلم والكتب في الحروب، هل حقاً بلا جدوى!. وكيف تشبّ الحروب؟
كيف استعرت نارها؟ كل حروبنا وأزماتنا هي بالأصل أزمة ثقافة..
لا ريب أن لا تجد للقلم والورق جدوى في وجه النار؛ هما طرفان غير متكافئين منذ البدء.
تأخدنا على حين غرة، تغرقنا في بحر حرب، توزع أنابيب غاز التنفس، تمد للطرف الذي اخترت فوزه -سلفاً- أنبوبة أكسجين، وللخاسر -أيضًا سلفاً- أنبوبة ثاني أكسيد كربون.. أيستوي..؟!
لفت نظري في الكابوس 13 من الـ 197 كابوس وحلم في الرواية.. ما يقول:
«ظللت أتأمل شقوق النوافد، (والقمريّات) أي النوافذ الصغيرة المستديرة الملاصقة للسقف والتي لا خشب يغطيها، وتوجد في أكثر البيوت الدمشقية والبيروتية القديمة. كان الغرض الأساس منها إدخال مزيد من النور نهاراً إلى الغرف الشاهقة الجدران، والسماح بدخول ضوء القمر إليها ليلاً..
أما الآن، فقد بدت لي (القمريات) المزينة بالزجاج الملون مثل أسلحة فتّاكة.. مثل عشرات الخناجر الّتي لا أدري متى يطلقها الانفجار من عقالها…؟».
أ هي الحروب؟
كيف يستحيل ما حولنا عن طبيعته الّتي اعتدناها منه في حالة السلاّم حتّى كان أنيساً لنا؟..
حكّامُنا جلّادونا، جيوشُنا قاتلونا، بيوتنا ركامٌ يُدمينا، و”قمريّاتنا” خناجر مُباغِثة..!
تظل جمادات تصهرها حرارة الحروب ويعاد تشكيلها تبعاً للظروف، ولكن، المُخزي هو الإنسان الذي ما يعود إنساناً في الحروب.
يطعن ويضرب الأعناق كأنما جُلّ البشر امتهنوا على الرغم من اختلافهم مهنة واحدة ألا وهي الإبادة الغوغائية..!..
أتساءل: كيف لأب، وابن قبل الحرب، أن يصنعا في الحرب بطعناتهما الأبناء اليتامى، وشهقات الثكالى. وتظل طعانتهما تتوالى وتتوالى.. وينسيا كونهما إنساناً؟!
«صار لمس الياسمينة أمنية، والوقوف تحت السماء طموحاً…».
أحقوقنا باتت مطالب وأمنيات؟
في ظل الفوضى؛ حقوق الإنسان والإنسانية ترتفع لمرتبة مطالب، روتين يومه العادي يصبح نعمة يتمناها، ذلك أن النعمة إن دامت جُهلت وإذا غابت عُرفت.
اغمض عينيك لدقيقة، تخبّط في طريق كنت تجتازها دونما عسر في دقيقة، حتى الدقيقة ما عادت دقيقة.. طالت كليل المريضٍ.. قبل استنقاص قيمة النعم تخيل لو أنها سُلبت فقط لدقيقة..
«أرى الخروف يحمل جلاده على كتفيه، ويمضي به إلى المسلخ، يغسل السكين، يعطيها للجلاد، ينحني ويقبل قدميه، ثم يركض ويمد له عنقه كي يقطعه!.. وحينما يمسك الجلاد بالسكين ليجز عنقه، يبتسم له الخروف ويقول له: (أتمنى أن أكون وجبة طيبة لك يا سيدي، باسم العشائرية، باسم الطائفية، باسم الجهل، باسم ما ورثته عن أجدادي من قيود أحلل لك أكل لحمي)».
يولد الإنسان حراً.. كل بني آدم سواسية، كلنا أحرار وكلّنا عبيد الله.
ما الذي يجر الإنسان لارتداء ثوب العبودية، امتهان التصفيق لكل مسرحية، وإن كان فيها الضحية، ويطيب له العيش دونما هوية..؟ أينسى هويته الأولى ألا وهي الإنسانية؟
«تعثر وسقط على الأرض ولم يكن الظلام دامساً، فقد كان نور أحد مصابيح البلدية يسطع في الشارع وأدهشه ذلك فقد أحس بأنه في غابة، وقبل عصور اختراع الكهرباء، وحتى النّار…»..
بدأت غادة السمان في كتابة هذه المذكرات ليلة 13 تشرين الاول 1975 وانتهت من كتابتها في 27 شباط عام 1976. ونشرت هذه المذكرات لأول مرة في مسلسلة في إحدى المجلات اللبنانية مع أوائل عام 1976، ولكنها توقفت عن نشرها في آب 1976 ابنداءا من كابوس رقم 160. صدرت هذه المذكرات بعد ذلك لأول مرة على شكل رواية عن منشورات غادة السمان في تشرين الاول عام 1976م، وفي كل كابوس من كوابيس الرواية يخيل لك أن نوم الكاتبة بوابة زمن سافرت عبرها ليس لزمن قبل اختراع الكهرباء والنار بل إلى يومنا ولحظتنا هذه لتلتقط صورة لحالنا اليوم.. آتراه الزمن يعيد نفسه أم الإنسان يعيد غباءه؟!



