النسخة الرقميةثقافية

قائمة المحفل

جواد كاظم محمد

السادسة مساءاً..
«أين تلك المخطوطة»؟
رأيته يخنقني بجنون ،عيناه بعينيَّ كفاه الضخمتان على عنقي ترفعاني مع الضغط لأصل ليكون وجهي في وجهه وجهي المزرق الآن ببدء انعدام التنفس ولكنني كنت افكر كيف وصلت الى هذه اللحظة.. لم استطع ان اخرج أي صوت سوى حشرجات او غمغمات ومعهن نظرات توسل به ان يترك عنقي وحركة عشوائية ضعيفة ليديَّ في الهواء. كان ينظر ببرود في عيني وللحظة ايقنت بأنني سأموت وفجأة فارق بين كفيه فسقطت عموديا كما يسقط حبل بال. تنفست بصعوبة مفرطة وكد اصرخ ولكنني لم استطع الصراخ. كنت اتوهم انني في حلم عميق ولكنني اجهل أ أنا في حلم ام في حياتي الحقيقية وسمعته يقول: «اين تلك المخطوطة؟»
احتجت لثوانٍ لأعي ان هذا العملاق الاسمر الذي فاجأني عندما طرق الباب فخرجت لأفتحه ليدفعني بيد ويدخل الباب ثم يغلقه بقدمه بسرعة وقبل ان اعي او اصرخ كان قد بدأ بخنقي ورفعي ثم القائي ارضا ليسألني سؤاله الذي كرره عدة مرات: «اين تلك المخطوطة؟»
ادركت خلال الثواني التي عاد فيها تنفسي بصعوبة سوء الفهم الذي وقع فيه هذا الرجل او من ارسله وقبل ان انطق وانا على الارض بجوابي رأيت او احسست (لا اعرف ايهما اولا) بقدمه تضغط بحذائه الضخم على عنقي وهو يعيد السؤال: «اين تلك المخطوطة»؟
ولكنني وانا اتلوى باختناقي تحت ضغط حذائه بقدمه الضخمة ادركت ان الجواب أيا كان لن يعجبه…ولن يقنعه…ولن يتركني مهما كان. بدأ الامر الليلة الماضية حيث اشترى اخي (ضرام) مكتبة قديمة من اسرة مكونة من مجموعة بنات يرمن الذهاب الى تركيا… وبحكم اعلانه عبر صفحته على الفيس بوك عن استعداد مكتبته لشراء المكتبات القديمة اتصلن به وذهب لرؤيتها واتفق معهن وسلمهن المبلغ ونقلها لمخزنه في شارع المتنبي.
عندما عاد ليلا وجلسنا سويا ونحن نستعد لدست الشطرنج اليومي قال لي: «وئام وجدت وانا افتش في كتب المكتبة التي اشتريتها امس مخطوطة من صفحة واحدة يبدو انها بخط صاحب المكتبة نفسه».
قلت له وانا ابدأ النقلة الاولى بحصاني الايمن وهي الحركة التي اعشقها سواء اربحت ام خسرت: «وما هذه الورقة المخطوطة التي اثارت اهتمامك»؟
قال لي وهو يقدم بيدق الملك لمربعين ويكاد يهمس بنبرة مستغربة: «انها قائمة باعضاء محفل بغداد الماسوني لغاية 2003».
لم انتبه لنفسي وانا اخطئ خطأ اطفال واقدم حصاني نحوه دون ان احرك بيدقا وانا اقول له وكأني غير عابئ بذلك: «هل ما زلت تصدق بوجود محفل ماسوني في بغداد»؟
فأجابني وهو يردف بيدقه ببيدق الوزير بخطوتين: «لو اطلعت عليها لزاد انكارك لأنك لن تصدق ما ورد فيها».
قلت له: «لا تهمني». فأجابني: «ساستعين بها في روايتي التي اكتبها منذ زمن عن محفل بغداد الماسوني». صمت قليلا ثم اكمل: «هل يراودك الفضول لرؤيتها»؟ فاجبته: «ما لا اؤمن به لا يهمني»!
وفوجئت بحركات متتالية سريعة منه على رقعة الشطرنج الجأتني الى دفاع اعرف انا ويعرف هو انه فاشل.
انا و(ضرام) توأمان متشابهان غاية التشابه كلانا في التاسعة والعشرين نسكن في بيت ابينا بعد وفاته وامنا في حادث ارهابي مطلع 2004.
هو يمتهن الكتب وانا امتهن تقييم التحف والاثار والمخطوطات والسجاد ولي محل انتيكات في الكرادة خارج. هو يذهب لسوق السراي صباحا ويعود عصرا واذهب انا لمحلي عصرا واعود ليلا لاتعلل مع اخي.
كلانا غير متزوج وكلانا سعيد في كونه غير متزوج وكلانا له حياته الخاصة..وتخرجنا كلانا من قسم الآثار. اظن ان كل التوائم المتشابهين تكون حياتهم مرتبطة احدهم بالاخر في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.
حسنا وسط ضغط الحذاء والقدم والالم والاختناق من جديد على رقبتي تخيلت ما اوقعت نفسي فيه عندما اتصلت بذلك الرجل.
ذلك الرجل الذي لا اعرف له اسما الا (الحاج عبد الله) والذي تعرفت عليه قبل سنة عندما زارني لمحلي باحثا عن مينورا سباعية مهما كان المعدن الذي صنعت منه وعندما عرضت عليه اشياء يهودية اشتراها كلها مني وقال لي: «اي شيء يتعلق باليهود العراقيين هو صفقة تامة الانجاز بيني وبينك.. واذا ما اتعبت نفسك فسأوفر لك ما لا تحلم به».
بعت له اشياء كثيرة نسخا مطبوعة ومخطوطة من التوراة، نجمات داود ذهبية، لفائف عبرية، وهكذا اتصلت به عبر تطبيق اتصالات مشفر.
بعد ان قمت وذهبت لغرفتي اذ خسرت في الشطرنج دون ان ادافع عن مملكتي لانني تعجلت خوفا من ان يذهب ربح سريع..
«الو حاج عبد الله»
«اهلا وئام ما الجديد؟»
«عثر اخي على مخطوطة تتضمن قائمة باعضاء محفل بغداد الماسوني لغاية 2003»
انتبهت لتغير صوته وسألني باهتمام
«اين هي الآن؟»
«انها عند اخي ولن يبيعها اذ يروم استخدامها في رواية يكتبها منذ زمن عن محفل ماسوني في بغداد»
«وئام هل المخطوطة لدى اخيك الآن»
«نعم وستبقى معه فهو حريص على اغراضه»
«حاول ان تشتريها منه»
«ساحاول ولكن اشك ان يبيعها واقصى ما ساحصل عليه نسخة مصورة منها»
«ابذل جهدك وساعطيك ما لم تحلم به وبالمناسبة متى يذهب اخوك لمكتبته»
«كالعادة هو يذهب صباحا ويعود عصرا بينما اذهب انا عصرا لمحلي واعود ليلا»
«شكرا…مع السلامة»
«سابذل جهدي لتوفير نسخة منها ان اعجزني الحصول لك على الاصل»
..
..
اليوم لم اكن اعي ان اختلافا بسيطا في التوقيت سيحدث سوء الفهم القاتل هذا وبينما لا يزال العملاق يسألني بوحشية:
«اين تلك المخطوطة؟»
ويضربني بوحشية بيديه فهمت بهدوء بهدوء ان بقائي في البيت وعدم ذهابي للمحل هذا العصر وخروج اخي لحضور ندوة ثقافية في احد المراكز الثقافية ببغداد عن: (الفن والمؤامرة) هو سبب سوء فهم الذي جعل هذا العملاق يكرر سؤاله للمرة التي لا احصيها:
«اين تلك المخطوطة» ليصمت بصمتي وهو يقول:
«سأقتلك مالم تجب»
لم اجب فقد بدأت افقد الوعي من الم الضرب العنيف ونظرت وغمامة دم حول عيني للعملاق يفتش البيت بعد ان فتشني مطمئنا لعدم قدرتي على الصراخ او الحركة…
عاد لي وبيده مسدس في فوهته كاتم صوت
قلت له برعب ولا اعرف كيف خرج الصوت مني:«ارجوك انتظر اتصل بالحاج عبد الله»
فاجابني بغضب
«من الحاج عبد الله يا كلب اجبني؟…
اين تلك المخطوطة؟»
لم اجبه فاطلق على معدتي طلقتين وركلني بحذائه وخرج وهو يتصل بهاتفه النقال ….أسف ياضرام…»

[ملاحظة… اعلاه تفريغ رسمي للتسجيل الصوتي الذي وجدناه على هاتف القتيل وئام يبدو استنادا للادلة الجنائية انه سجله على عجل ببرنامج تسجيل الاصوات في نقاله…
لم نعثر على اخيه ضرام بعد….ولا يزال مفقودا].

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى