النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئ في ذاكرة يحيـى السماوي

24

لطيف عبد سالم

عودٌ عَلَى بدء، كان السَماوي يحيى قد حظي خلال أقامته فِي مدينةِ الديوانية بصداقاتٍ رائعة مَعَ نخبةٍ مِنْ أبرزِ أدباء المدينة وَمثقفيها، وَالَّذين أصبح لهم بعد سنوات مِنْ تلك الأيام شأن فِي الْمُجْتَمَع، إلى جانبِ مثابرتهم عَلَى المُسَاهَمَةِ فِي تفعيلِ المشهد الثَّقَافي المَحَلّيّ وَإدامته. وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرزِ تلك الشخصيات الاجْتِماعِيَّة القاص زعيم الطائي، الناقد وَالشاعر عذاب الركابي، الروائي سعدي السماوي، الناقد رحيم صالح، الشاعر صالح الموسوي، عزيز الحلي، عزيز داخل، زيد غانم الجصّان، القاص صباح محسن جاسم، القاص الراحل جاسم الشويلي، وَالشعراء الشعبيون الراحل عزيز السماوي (1948 ـ 2001) الَّذِي قال عَنه الأستاذ الدكتور عبد الإله الصائغ بعد مماته بعيداً عَنْ أرضه وَأهله «ولد عزيز السماوي 1948 ولم يمت حتى الآن»، الدكتور كامل سرمك حسن، الراحل كامل العامري (1944 ـ 2008) صاحب القصيدة الخالدة الموسومة «إلى شهيد» الَّتِي كتبها بحقِ المناضل الشيوعي الشهيد «محمد الخضري» الَّذِي اغتالته قوى الظلام فِي مطلعِ العقد السابع مِن القرنِ الماضي، وَضمنها ديوانه الوحيد «كلمات على وجوه الريح»، الراحل جبار سمير وَالراحل علي الشباني (1946 ـ 2011) الَّذِي كتب عَنه الكاتب ثامر الحاج امين قائلاً: «واجه جراء مواقفه السياسية الثابتة الكثير من الملاحقة والسجن الذي دخله وهو في السادسة عشرة من عمره، فكان أصغر سجين سياسي عرفته السجون العراقية ابّان ستينيات القرن الماضي، وبرغم كل العسف والظلم الذي لاقاه الاّ انه ظل مخلصا لأفكاره، متوردا بالأمل واليقين من صواب مسيرته وقناعاته، وقد جسد ذلك في معظم منجزه الشعري». كذلك غدت للسَماويِّ صداقات مَعَ بعضِ أساتذته فِي الثانوية. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ الديوانيةَ ـ الَّتِي أصابته لعنة التدخين فِي أيامِها ـ مَا تَزَال حاضرة بعبقِ ذكرياتها فِي وجدانِه؛ إذ أَنَّ طِيبَ الإقامة فِيهَا يؤرِّقُه للآنِ شَوقاً لثانويةِ التحرير، حي رفعت، حي المتقاعدين، حي نواب الضباط، مطعم حمد الأعرج مقابل فندق النصر، لبن عاشور وحتى «مركز شرطة حي رفعت». فلا عَجَب أَنْ تبكيه قصيدة للشاعرِ سعد جاسم قرأها ذات يوم عَنْ مدينةِ الديوانية.
تـائِــبـاً جــئـتـكِ مـن يـومي وأمــسـي
فـامـلـئـي مـنـكِ بـمـاءِ الـعـفـوِ كأسـي
لَــبـِــسَ الــلـــيـــلُ صَــبـاحـي فــأنــا
بـيـن دَيـجـورَيـنِ فـي حـزني وأُنـسي
ويْـحَ غـرسي مـن حـصادي ما الـذي
ســوف أجـنـيـهِ إذا الأوهـامُ غَـرْســي؟
بـادَلـــتْ جَــمــراً بـــمــاءٍ شــفــتـي
ودجـىً ـ بـادَلَـتِ الـعـيـنُ ـ بـشـمـسِ
عيناهُ شاخصتان ترمقان الأفق مِنْ خلالِ الزجاجة الأمامية للحافلةِ المتجهة إلى بَغْدَاد الَّتِي استقلها ذات فجرٍ مِنْ مرآبِ بَغْدَاد فِي السَماوة، وَهمَا فِي حالةِ توائمٍ وَانسجام تام مَعَ مَا يتوقف مِنْ كلماتٍ فِي ذهنِه بفعلِ زحمة الأفكار الَّتِي تُجمعت فِي رأسِه حول مَا يمكن فعله بفضاءاتِ رحلته الجديدة فِي العاصمةِ بَغْدَاد، وَالَّتِي يَبْدُو أَنَّ صعوبةَ تحقيق بعض الأنشطة الخاصة فيِها يجعلها فِي مصافِ الألغازِ الشائكة، فالسَماوي متيقن تماماً مِنْ أَنَّ محاولةَ ارتياد مَا يتمني مِنْ مرتقى فِي القادمِ مِن الأيام أمرٌ شاق، ورُبَّما يكون محفوفاً بكثيرٍ مِن المزالق، فالوصول إلى مبتغاه يتطلب الكثير مِن الوقتِ وَالجهد وَالصبر وَالحذر أيضاً. وَمِنْ المؤكّـدِ أنْ يكتنفَ سويعات صمته ـ فِي أثناء مسير الحافلة ـ حضور لبعضِ مَا تخفيه تلك الأفكار مِنْ ذكرياتٍ كمحاولةٍ لافتعالِ تعاطف مَعَ الماضي القريب أو رُبَّما تحت تأثير «مؤقت» لسطوةِ الحنينِ إلى الماضي «النوستالجيا» فِي محاولةٍ لاسْتِشْرَافِ المُسْتَقْبَل، فليس بمستغربٍ مصاحبة نفث دخان سيجارته المتسرب عبر النافذة الجانبية للحافلة تطلعات تحمل فِي ثناياها ملامح الآمال المرتجاة مِنْ رحلته، وَالَّتِي فِي المُقدَّمة مِنها النجاح فِي كليته قصد الانتقال إلى التدريسِ فِي ربوعِ مدينته وَخدمة أجيالها القادمة، مثلما جهد فِي أيامِ دراسته الاستاذ شمخي جبر وَرفقته بمختلفِ مراحل الدراسة. وَليس بالأمرِ المفاجئ أنْ تبددَ ابتسامة خفيفة تواتر تلك الحزمة مِن الأفكار المتداخلة، حين تتراءى له صورة المفوض أبي حاتم «غفر الله له» وهو يصفه وزميليه أيام الدراسة فِي ثانويةِ السَماوة ـ الشهيد خليل كريم جبر وَالزميل مسلم مطر ـ بعبارةٍ تعكس سذاجة الشرطي أبي حاتم ومحدودية وعيه الوطني، وَالَّتِي يقول فِيها باللهجةِ الدارجة «طلاب مَا بيهم خير».
نَـعِـمْـتُ وهـلْ كـنـعـمـى الـعـشـقِ نُـعْـمـى؟
وأبــهــى مــنــهُ فـي الــدنــيــا وأســمـى؟
وهـــلْ كــجَـــنــاحِ نــشـــوَتِــهِ جَـــنـــاحٌ
يَــزورُ بــهِ نــزيــلُ الــبــئــرِ نــجْـــمــا؟
وهــلْ كـالـعِــشــقِ مَـغْــنــمَــةٌ لِـــقــلــبٍ
غــريـبِ الــنــبــضِ والأشــجـانِ مُـدْمـى؟
يُـصـارعُ غُــربَــتــيــهِ.. فــلا نــخــيــلٌ
يَــلـــوذُ بـــظِـــلِّــهِ لـــو ضــاقَ هَـــمّـــا
إذا مَــرَّ «الــفــراتُ» عــلــيــهِ طَــيــفــاً
يــرى الإصْــبــاحَ لـــيـــلاً مُــدلَــهِـــمّـــا
شــربــتُ سُــلافــة .. فــازدَدْتُ حـزنــاً
كــأنـي قــد شـــربـــتُ قــذىً وسُـــمّـــا
وربَّ هــوىً يُــضــيءُ ظــلامَ كــهـــفٍ
ويُــشــفـي مـن عـلـيـلِ الـروحِ سُــقــمــا
وربَّ لــذاذةٍ ـ فـي الـــربــحِ ـ خُـــسْـــرٌ
وربَّ خـــســــارةٍ ربــحٌ لِـــنــعــــمــى
عـشــقــتُ الـســومـريـةَ عــشـقَ قــلـبـي
لـكـوثــرِ نــبــضِــهِ صــحــواً وحُــلــمــا
لــهــا شَــرفُ الـنـخــيــلِ أخــاً وأُخــتــا
وأخــلاقُ «الـــفـــراتِ» أبــاً.. وأُمّــا
تـفـرَّدَ عـشـقُـهــا عـن عـشـقِ «لـيـلـى»
وعــن «دعْــدٍ ولــمــيــاءٍ و ســـلــمـى»
وكــان هِـــلالُ عــمـــري فــي مــحــاقٍ
فـَــصَـــيَّـــرَهُ الـــهـــوى بَــدراً أتَـــمَّــــا
تُــســاقـــيـــنـي نــمــيــراً مــن هــديــلٍ
يُــرَقِّــصُ لــحــنُــهُ الـصَّـخـرَ الأصَــمّــا
وقــد كُـــنّـــا كــمــا لـــيـــلٌ وصـــبـــحٌ
فـصِـرنـا في الـهـوى قـوســاً وسَــهْــمــا
أرادَ لــنــا الـــفــراقَ «ســفــيــهُ طــبــعٍ»
فَــزدْنـا فـي تـمــاهـي الـعـشــقِ عَــزْمــا
ولــو عَــلِــمَ الــعَــذولُ أنِ الــتــمــاهــي
يُـــزادُ بِـــعَــــذلــــهِ مـــا ازدادَ لُـــؤْمـــا
تَــمــاهَـــيـــنــا فــمــا أدري: أصَــحْــوٌ
يُــعـانـقُ مُــقــلــتِـي؟ أمْ كـان حُــلــمــا؟
أنـامُ.. فــأســتــفــيــقُ عــلــى هــديــلٍ
يُــحِــيــلُ وســادتي عُـشــبــاً وغَــيْــمــا
وتُـوقِـظـهــا ـ إذا اسْــتـشــرى نُــعــاسٌ
وخـاطَ جــفــونَـهــا ـ شـــفــتـايَ لَــثْــمــا
لــهـــا ـ مِــثــلـي ـ جــبــالٌ مـن هــمــومٍ
ومــثــلُ مَــرامِـهــا لـيْ نــهــرُ مَــرمـى
ومـثـلـي لا تــرى لـلــعــيــشِ مــعــنــىً
إذا خــبــزُ الــعــراقِ يــســوءُ طــعــمــا
ومــثــلــي لا تــرى الـــفـــردوسَ إلّا:
عــراقــاً هــانــئــاً عــيــشــاً وسِـــلـــمــا

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى