النسخة الرقميةثقافية

سيبويـــــــه

حميد كاظم العكيلي

أعاذلتي ما أخشنَ الليلَ مركباً
وأخشنُ منه في الملمات راكبُهْ
ذَريني وأهوالَ الزمانِ أُفانِها
وأهوالُهُ العظمى تليها رغائبُهْ
ما أصدقَ هذين البيتين لأبي تمام يصلحان أن يطلقا على هذا الأهوازي الذي يغذّ الخطى ممسكاً بيد ابنه الغلام ويتكلفان ما يتكلفان من عناء السفر الشيء الكثير! والآمال لا تنال ما لا يبذل المرء مزيداً من الجهد , كان ذلك الأهوازي هو والد سيبويه وكان ذلك الغلام النابه هو سيبويه, والبصرة وما أدراك ما البصرة بثقافاتها المتنوعة وحلقات الدرس المبثوثة فيها هنا وهنالك تجتذب أنظار الدارسين, ويتحرى والد سيبويه المساجد حتى دلف الى مسجدٍ كان الشيخ يلقي درسه على تلامذته ويستأذنه والد سيبويه للجلوس ليستمع هو وابنه لطرف من ذلك الدرس ثم تنفضّ حلقة الدرس فيتقدم والد سيبويه إلى ذلك الشيخ راجياً منه أن يولي ابنه عنايته لينشأ على يديه نشأة علمية صالحة.
ومرّت الأيام وفي أعقابها أخر وسيبويه لا ينفكّ عن شيخه حماد بن سلمة, ولم يكتفِ سيبويه بما كان يتلقاه في حلقات دروس أستاذه بل كان يختلف الى حلقات الدرس في مسجد البصرة, فألمَّ بثقافة عامة, وذات يوم كان أستاذه يملي عليه قول الرسول (ص) ليس أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدرداء.
فقال سيبويه ليس أبو الدرداء, ظاناً أنه اسم (ليس) فردّ عليه حماد لحنت يا سيبويه. وأثّرت تخطئة حماد إياه في نفسه كثيراً, بل كانت المحفز القوي لكي يطلب العلم الذي لا يستطيع حماد ولا غيره من أن يُخطئَه.
فقصد أساتذة النحو واللغة, وقد أخذ العلم على يد يونس بن حبيب الذي يعدّ من القليلين الذين كان لهم مجهود واضح في نقد الشعر ودراسة اللغة والنحو.
وكان الخليل أُغرودةً في فم الزمان يتغنى بها, فما كان من سيبويه الا ان يتوجه الى مجلس الخليل ويفيد من علمه وقد أظهر سيبويه ذكاءاً وفطنة ونباهة مما جعله محط أنظار أستاذه وأحاطه بالرعاية الأبوية وكان يملي عليه ويوجهه التوجيه العلمي.
وقد قيل في الفلسفة لولا الإسكندر المقدوني لما كان أرسطو, أي أن الإسكندر هو الذي نشر فلسفة أرسطو بين الناس لسعة فتوحاته من الغرب الى الشرق ويمكن ان يقال مثل هذا في سيبويه فله الفضلُ العظيم في نقل آراء الخليل وحفظها وتصنيفها وشرح ما انبهم منها وفي جمع ما تيسّر له من شيوخ آخرين, كان سيبويه قد تتلمذ لهم وأخذ عنهم وهو جَمَعَ الأقوال وبسّط الآراء ووازن بينها وكان أميناً وقد أدّى الأمانة العلمية كخير ما تؤدّى وله آراء نحوية خَالفَ فيها آراء أستاذه الخليل وبخصوص تقسيم الأفعال فلم يذهب سيبويه الى ما ذهبت إليه مدرستا النحو الكوفية والبصرية بل قال: بناء (فَعَلَ) و(يفعلُ) و(افعلْ) أي أنّ الزمان في الأفعال زمان لغوي وليس زماناً فلسفياً كما قسّمه ابن يعيش في مفصّله تقسيماً مرتبطاً بحركة الفلك الدوار: حركة وقعت, وحركة تقع, وحركة ستقع.
مكانته العلمية
يقول أبو تمام:
بصرتَ بالراحة الكبرى فلم ترَها
تنالُ إلّا على جسرٍ من التعبِ
بذل سيبويه جهوداً مضنية حتى نال هذه المنزلة الرفيعة التي قلّما ينالها عالم مثله وقال أحد العلماء: سيبويه قرآن النحو. وكان أبو عثمان المازني يقول: من أراد أن يصنّف كتاباً كبيراً بعد كتاب سيبويه فليستحِ. وكان المبرد يقول لمن يريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه هل ركبتَ البحرَ؟!! تعظيماً له واستصعاباً لما فيه. وبعد وفاة الخليل الذي كان يرأس النحو في البصرة انتهت رئاسته إلى سيبويه.
ويكاد يكون سيبويه في زهده وإعراضه عن الدنيا وإنقطاعه للعلم كأستاذه الخليل ولم يكن له من المال ما يجالد به صروف الحياة الثقيلة حتى اُضطر إلى أن يتوجه إلى بغداد مركز الخلافة وقد سبقه إليها الكسائي ومن ثم الفراء وغيرهما الكثير لينال الحظوة والجاه والمال لكنه عاد الى موطنه الأهواز محطم الآمال بعد فشله في المحاججة مع الكسائي الذي إلتفّ من حوله الفراء وكثير من (النفعيين) ولم يمهله الأجل طويلاً فتوفي في سنة (180) هـ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى