الثورة الاسلامية في ايران .. 39 عاماً من التحديات والمنجزات

عادل الجبوري
يمكن للمرء ان يسجل اربع ملاحظات رئيسة حول الثورة الاسلامية في ايران وهي تدخل عامها الاربعين.
الأولى: انها استطاعت مواجهة وتجاوز تحديات كبيرة وخطيرة طيلة عقودها الاربعة، ونجحت في البقاء والصمود، والتقدم الى الامام بخطوات ثابتة وثقة عالية.
ثانيا: انها تمكنت من بناء نظام سياسي متميز يختلف في الكثير من خصوصياته وميزاته عن الانظمة السياسية القائمة في المحيط الاقليمي وفي عموم المجتمع الدولي.
ثالثا: انها زاوجت وبقدر كبير من النجاح بين آليات ومناهج وسياقات المفاهيم السياسية المعاصرة كالديمقراطية والتعددية وتداول السلطات وحرية التعبير والعمل السياسي، وبين قيم ومبادئ الدين الاسلامي التي شكلت هويتها الاساسية.
رابعا: استطاعت التوفيق بين الثوابت الوطنية والدينية ومصداقية الشعارات التي رفعتها من جهة، وبين المصالح السياسية والاقتصادية التي يفرض الواقع الاهتمام بها وعدم إهمالها في ظل واقع اقليمي ودولي لا يحتمل انعزال وانكفاء أي من مكوناته من جهة أخرى.
وهذه الملاحظات الاربع تشكل في واقع الامر الاطار العام للصورة الكلية التي رسمتها وصاغتها أحداث ووقائع العقود الاربعة من عمر الثورة الاسلامية.
فبينما لم تكن الثورة الايرانية قد تجاوزت عامها الأول إلا بأشهر قلائل حتى وجدت نفسها في مواجهة عسكرية طاحنة مع نظام صدام المقبور، وبتوجيه وتحريض ودعم واسناد من أطراف وقوى دولية واقليمية، توقع الكثيرون ان تطيح تلك المواجهة بالثورة الفتية التي لم تكن قد إلتقطت انفاسها بعد، ولم تستمكل بناء وضعها الداخلي، ولم تُحكم سيطرتها ونفوذها بعد على كل زوايا وتفاصيل المسرح الداخلي، توقع الكثيرون ان تطيح تلك المواجهة بها خلال وقت قصير لا يتعدى الاشهر القلائل ان لم يكن الاسابيع، وربما لم يدر في خلد أحد ان تلك المواجهة ستمتد ثمانية أعوام متواصلة بلا انقطاع.
وبينما افترض البعض-أو الكثيرون – ان النهاية التي آلت اليها الحرب كانت انتصارا لنظام صدام المقبور وهزيمة للثورة الايرانية وتحديدا لزعيمها الإمام الخميني، فإن الواقع لم يكن كذلك بالمرّة، لان الأرقام والمعطيات والحقائق كانت تشير الى عكس ذلك تماما.
ولم تنته التحديات بانتهاء الحرب العبثية بل انها استمرت وتواصلت، واتخذت أشكالا ومظاهر مختلفة، سرية وعلنية، بل ان صدام الطاغية حاول اقحام الجهورية الاسلامية حينما غزا الكويت في صيف عام 1990، وأراد ان يخلق فتنة ويوسع نطاق الحرب، الا انه فشل في ذلك فشلا ذريعا، لان ايران ادركت حقيقة اللعبة وتصرفت بحكمة، وتكرر الأمر في عام 2003، حينما قررت الولايات المتحدة شن الحرب وإسقاط الدكتاتور صدام.
وفي خضم كل تلك التحديات المختلفة، كانت بُنى وهياكل النظام السياسي الايراني تنضج وتتكامل وتتبلور، فالانتخابات كانت مبدأ أساسيا وممارسة حقيقية اسهمت في اضفاء الهوية الديمقراطية على النظام، فكانت هناك الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء، وانتخابات المجالس البلدية (المحلية)، ولم تعطل ظروف واستحقاقات الحرب ومجمل الظروف والأوضاع الاستثنائية أيا منها.
ويمكن للمتابع ان يلاحظ ان سبعة رؤساء جمهورية تعاقبوا خلال ثمانية وثلاثين عاما على ادارة شؤون البلاد عبر الانتخابات، وان هناك 10 دورات لمجلس الشورى الاسلامي (البرلمان)، بل انه حتى قائد الثورة يتم اختياره على وفق سياقات ديمقراطية.
والى جانب الآليات والسياقات الديمقراطية في تداول السلطة في مختلف المفاصل، وبشتّى المستويات، كان هناك الحرص والاهتمام الكبير للمحافظة على الهوية الاسلامية للثورة، التي تم التصويت عليها في استفتاء شعبي عام في وقت مبكر بعد الانتصار، وتم تثبيت ذلك في الدستور.
والمحافظة على الهوية الاسلامية مثلت واحدة من أبرز وأولى المهام التي وقعت على عاتق المتصدين للأمور، وواحدة من أبرز وأخطر واصعب التحديات أمامهم، وهنا تجلى واضحا البعد الثقافي للثورة الى جانب الابعاد السياسية والعقائدية لها، في كل مفاصل الحراك المجتمعي، مثل المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني على اختلاف توجهاتها واهتماماتها، وفي وسائل الاعلام، فضلا عن المساجد ومختلف أماكن العبادة.
ولعله لم يكن بعيدا –أو غائبا-عن اذهان أصحاب القرار ان تدعيم البناء الداخلي لا يمكن له ان يتم وبصورة سليمة من دون التواصل مع بيئة اقليمية ودولية متشابكة المصالح والاتجاهات والاجندات، والتحرك وايجاد مواطئ قدم فيها على ضوء المصالح والاجندات والحسابات الوطنية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، مع عدم التفريط بالثوابت والمبادئ والمنجزات المتحققة على ارض الواقع.
ولا شك ان الجهورية الاسلامية الايرانية نجحت الى حد كبير في بناء علاقات متوازنة مع محيطها الاقليمي برغم أجواء ومناخات الحروب والصراعات الدموية، وكذلك نجحت في بناء علاقات متوازنة مع مختلف أطراف المجتمع الدولي، سيما المهمة منها كالاتحاد الاوروبي واليابان وروسيا والصين، واضطلعت بأدوار ايجابية في معالجة أزمات ومشكلات غير قليلة، ونجحت في احباط كثير من المؤامرات والمخططات الهادفة الى زعزعة استقرارها الداخلي، واقحامها في دوامة صراعات مع هذا الطرف أو ذاك لاضعاف قدراتها وإمكاناتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
ومن خلال كل ذلك وغيره، فإنها باتت تمثل لاعبا فاعلا ومؤثرا ليس على الصعيد الاقليمي فحسب وانما على الصعيد الدولي، وباتت تشكل رقما صعبا في المعادلات السياسية لا يمكن بأي حال من الاحوال تجاوزه أو تجاهله أو القفز عليه.



