اراءالنسخة الرقمية

لغة السياسة متعددة الجنسيات والمسميات

عبد الجبارعبد الوهاب الجبوري
بعد الاحتلال الأنكلو- أمريكي للعراق شاعت في المؤتمرات الصحفية وتصريحات المسؤولين في الدولة والأحزاب السياسية المختلفة , لغة سياسة غريبة أدت الى تحوّل اللغة والخطابات السياسية المألوفة الى لغة هجينة خلافا للنظريات السياسية الشائعة في الدولة والمجتمع المدني , بحيث لم يستطع المواطن أن يدرك ما هو المقصود من هذه الكلمة أو تلك وأختلط عليه (الحابل بالنابل) فلم يعد يفرق بين الخطابات السياسية والأدارية والأقتصادية والأجتماعية . فمثلا يقرأ عن (المؤتمرات) فيجد هنا المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني والمؤتمر السياسي , وهناك المؤتمر الأستشاري والمؤتمر التأسيسي ثم المؤتمر الانتخابي.
أما لغة (المجالس) فهذا المجلس الوطني والمجلس الأستشاري والمجلس الأداري والمجلس المحلي والمجلس البلدي والمجلس الأقليمي ثم مجلس أدارة المحافظة ومجلس أدارة القضاء ومجلس ادارة الناحية والقرية , ومجلس الآباء والمعلمين والأمهات والمعلمات ومجلس العائلة , وبلغة الرياضيات (الهندسة) المثلث السني والمثلث الشيعي والمثلث الكلدوآشوري التركماني وأخيرا مثلث الموت.
أما لغة الأحتلال فمن المفوضية المحلية والمفوضية العليا ومفوضية والأنتخابات ومفوضية النفط العليا الى المحاصصة والتوافقية والشفافية والطائفية والعنصرية والمذهبية والتقاسم في السلطة , وعملية الأختيار والتعيين والتهميش المسموح به وغير المسموح به وشبه المسموح به وبلغة المشاريع المشروع الأنفصالي والمشروع الأتحادي والمشروع الفيدرالي والمشروع الموحد حتى مشاريع الأنماء والأعمار والتأهيل ومشروع أنقاذ ألاهوار, وبلغة المناهج منهج الأقصاء الاختياري, والأقصاء القسري الى منهج التهميش السياسي , ومنهج الأستفراد ومنهج الدائرة الواسعة والدائرة الضيقة . وبلغة (المؤقتة) من قانون ادارة الدولة المؤقت ومجلس الرئاسة المؤقت والحكومة المؤقتة ومجلس الوزراء المؤقت ,والدستور المؤقت ,والمؤتمر الوطني المؤقت, والمجلس الوطني المؤقت باستثناء الاحتلال الأنكلو أمريكي الدائم. وباللغة العسكرية قوات التحالف وقوات الاحتلال وقوات المتعددة الجنسيات الى القوات الصديقة ثم القوات (الشقيقة) من الأم بريطانيا والأم الولايات المتحدة الأمريكية . وبلغة الحادي عشر من أيلول عام 2001 شاعت لغة الأرهاب الدولي والرهائن والأجتثاث والأغتيال والفدية والخطف والمهلة والمساومات المادية والمعنوية والسياسية الى أساليب التعذيب (الكوانتمالو الأمريكي) التي أنتقلت الى أروقة سجن أبو غريب سيئ الصيت .
وبلغة معاهدة (سايكس بيكو) وردت الإقليمية والمفوضية والإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي والمثلثات الطائفية والعنصرية , وبلغة الجهات الأربع غربي بغداد وشرقي بغداد والشمالي الشرقي والجنوب الغربي. وبلغة (الشفافية) ترددت كلمات جديدة كعدم (الشخصنة) و (العنصرة) و (العقلنة) و (اللبننة ) و (العسكرة) و (الخروق) والاحتلال والحوارات والمؤسسات المفتوحة والعراق الموحد , والعراق متعدد القوميات , والعراق الجديد , والعراق الواحد , والواقع العراقي الجديد , والدولة الجديدة والفهم الجديد والمرحلة الجديدة , والألتزام الستراتيجي الجديد , والتعامل الجديد والتعايش الجديد . وبلغة (الأقتصاد) الخصخصة والاستثمار الأجنبي والأسواق الحرة , والأسواق المفتوحة , واللجنة المالية والدول المانحة والديون المتراكمة ,والديون الجديدة والتعويضات والأوراق المالية والمساعدات المالية . وسلم الرواتب والمنح المالية .
وبلغة (الانفلات) الانفلات الأمني والإداري والأقتصادي والسياسي , الى فوضى الحرية وحرية الفوضى . أما لغة (الآلية) فمن آلية التمثيل وآلية الأعداد والأنتخابات والأختيار والتعيين ثم آلية الخروق والاختناقات الى آلية التراخي والاسترخاء على (كراسي) الحكم للتفكير بآلية توزيع موارد الدولة حسب آلية دول التحالف ثم دول متعددة الجنسيات وحسب القسامات الشرعية والنظامية حتى الدرجة الرابعة . وباللغة (الثنائية) البيت الشيعي والبيت السني والوقف السني والوقف الشيعي وهيأة علماء السنة , وهيأة علماء الشيعة . وقانون السلامة وقانون الطوارئ , والفيدرالية والأتحادية , والمفوضية واللجنة والجمعية الوطنية البرلمان والورقة الشيعية والورقة السنية .
وباللغة (القومية) العرب والأكراد والتركمان والكلدوآشوريين والأقليات القومية الأخرى . وباللغة (الدينية) المسلم والمسيحي والصابئي والأزيدي والأقليات الدينية الأخرى . وباللغة (المذهبية) المذهب الشيعي ,والمذهب السني , والوهابي والأقليات المذهبية الأخرى . وبلغة (التفتيت) العنصرية والقومية والمذهبية والطائفية والعرقية والأقليمية والعشائرية والمصطلحات الأقلية الأخرى . وبلغة (الستان) كردستان , عربستان , وتركمانستان , وكلداستان , وآشورستان وغيرها من (الستان) المعروفة الأخرى ما ذكرت غيض من فيض في اللغة السياسية الجديدة , فضاعت الثوابت النظرية في فوضى الأجتهادات الشخصية الداخلية والخارجية . هذه لغة السياسات المختلفة ما بعد أحتلال العراق , أما لغة السياسة الواقعية المألوفة , فهي ثوابت موضوعية ولغة واضحة واحدة فهي تعرف النظام الملكي والجمهوري البرلماني أو الرئاسي أو المختلط , وتفهم الفيدرالية على أنها تعني تفكك دولة موحدة الى عدد من الدول كالأتحاد السوفيتي السابق أو هي أنضمام عدة دول مستقلة في شكل أتحاد مركزي مثل الأتحاد السويسري, أما السلطة فهي أن تكون فردية أو ديمقراطية , والديمقراطية مباشرة أو غير مباشرة . وشكل الأدارة مركزية أو لا مركزية , والحرية تعني الأنتخابات والأستفتاء والترشيح والتصويت والفوز بالأكثرية أو الأغلبية المطلقة. أما المجالس فهي مجلس الشورى والبرلمان (النواب والأعيان) فلماذا نفلسف هذه المصطلحات ونعطيها أكثر من معناها ؟ ولمصلحة من تعدد الخطابات السياسية . أننا لا نعرف لغة غير اللغة العربية التي جاءت بها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والنظريات السياسية التي تعطي للفرد كل حقوقه العامة والخاصة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى