النسخة الرقميةثقافية

تأريخ الطار

صباح محسن كاظم

للتأريخ نكهة الذكريات بحلوها ومرّها، بسعادة الشعوب، ومجدها، وبآلام ومحن تمر بها. والتأريخ ليس قصصا فحسب، أو مرويّات بين الشفاهية، أو التدوين، بل حركة وصيرورة مجتمعات لها بصمتها الانثروبولوجية التي تتأثر بالبيئة المُعاشة والتي تفرز: انطولوجيات لمحمولات نفسية ـ أدبية ـ اجتماعية. بالتأكيد هناك محركات للشعوب بالاقتصاد والعمل والإنتاج؛ ولكل بيئة نمطها الإقتصادي الذي تتآلف معه، وتنماز به حسب العوامل الجيبولوتيكية التي تؤثر بنمط العيش الذي تتطبع بطابعه ، مدن الماء والطين والقصب والكرم تتضح من خلال «الطار» وتخومها، فالبيئة الجنوبية وبالأخص هذه المنطقة لها تأريخها المجيّد الذي يَعرفه الشعب العراقي من خلال الثورات، والإنتفاضات التي تنطلق من الأهوار بكل الحقب الفاشستية.
وقد عانت خلال أزمنة مختلفة من القمع المُنظم والممنهج، لقد كانت مهد أهم انتفاضة بتأريخ العراق ـ الإنتفاضة الشعبانية ـ بعد غزو الدكتاتور المجرم للكويت إنطلقت الإنتفاضة برجالها لتعم 14 مدينة عراقية. وقد ركز الكتاب على ذلك التأريخ المسكوت عنه؛ فضلاً عن الأجواء الساحرة الخلابة التي تُذهل الرائي بعبق وجود (الشلب، القصب، النخيل، الطيور، تربية الحيوانات) ورائحة القهوة التي تُعمر دواوينها التي تُمسي على حكايات الفخر، والشعر، والحِكم، من شيوخها عن أسلافهم وعن ديارهم قصص مُدهشة تتناقلها الأجيال من جيلٍ إلى جيل.
في كتاب (ناحية الطار تواكب التطور) لمحمد علي جبار علي بفصوله الثمانية تناول ما يحيط بوجود الناحية، تأريخيّاً وإجتماعيّاً وجغرافيّاً بتلك الفصول، التي أكد فيها بفصله الأول: نبذة مختصره من تأريخ المنطقة وما جرى عليها من أحداث ورد في ص 7: (وقد شهدت الرقعة الجغرافية التي هي اليوم (ذي قار) وما جاورها ميلاد اعرق حضارة في العالم ومهد اولى انتاجات البشر التي اصبحت نواة لكل تقدم وتطور في العالم منذ فجر السلالات متمثلة بسلالات (أور وماتركه لنا اورنمو) من نتاجات انسانية تعد باكوره التشريعات القانونية في العالم وتؤكد ذلك مدينتنا (اريدو، واور) هذا الى جانب آثار المدن الأخرى التي تعد دررا ترصع البطائح للعراق وسهوله، ومنها (لكش، السنكرة، جوفي، لارسا) وغيرها.).
ويستمر المؤلف بتفصيل تاريخ المكان تحت رايات الإسلام ثم ظهور امارات البطائح، ومقارعة ابناء البطائح لمقارعة العثمانيين والوهابيين، والجهاد ضد الانكليزوموجز من حركة 35 ص 14: (اندفعت عشائر بني خيكان باتجاه العكيكة في مطلع ايار 1935 واشتبكوا مع حاميتها، ثم تمت السيطرة على مركز الناحية). ثم تتوالى صفحات الكتاب إلى ص 33 شروحات عن المقرات وقيادات التنظيمات الاسلامية في اهوار الجنوب ابان النظام السابق في سبعينيات القرن الماضي لغاية 2003، مُستعرضاً أسماء الرموز الجهادية وحركتها وقياداتها وجهادها وكفاحها ضد أبشع إستبداد بتأريخ الإنسانية، فيما تناول الفصل الثاني تسمية الناحية ـ الموقع، تسميتها والآراء عن جوانب الحياة فيها، من شأن وضعها الإداري، طرقها، سكانها. وقد عزز ذلك بصور مفصلة ثم تفاصيل عن الأهوار، والجداول، ومناسيب المياه، والنواظم، والثرة الحيوانية المتنوعة، مع أسماء لكل المدراء للبلدية، والمرافق الحكومية، والتركيز على أصحاب الحرف من الحوانيت، المقاهي، وسائط النقل، الطب الشعبي، والرياضيين، وحملة الشهادات العليا، وإستعرض الأسماء الإبداعية التي رفدت المشهد الثقافي العراقي، والعشائر وشيوخها ودوواينها مُعززاً الكتابة بشواهد تأريخيّة للناحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى