دياجير التّحيُّن

عطا الله شاهين
هناك لا يوجد سوى مسافات قصيرة أراها تنئني عن ذاتي، عقارب ساعتي الثمينة والمكسّر زجاجها منذ زمنٍ تتك باشتياق مجنون، وفؤاد معتلّ منذ مدة، ومضطرب كعادته يخفق بسكون مملّ كمَنْ يتحيّن العدم بكل شغف، أرنو المنطقة بمقلتي المتعبتين والغائرتين واسوداد، أخطف بكل هدوء كمية من الهواء لأخفّف بها روتين هبّات رياح دافئة، هبات فيها عاصفتي المجنونة، والفراسة كما تبدو هنا عقلانية، مسافات قصيرة وتحيّن، يا كم بتّ أكثرتُ بكل جنون الوحْشة كثيرا. أنا هنا أعتمر قبّعة فوق رأسي.. أترقب الزمن البطيء والممل، وأستفسر لماذا توانيت كثيرا، أو ليس من طبيعتي بشكل عام الارتباط باللقاءات عادة، ثمّ إنّ المدى ليس سرياحا كما أراه، ربّما تمطّى الدّرب، أو انتقيت الدرب اللولبي المليء بالمنعطفات الخطرة، وربّما غيّرت سلوكي المهذّب، وتعهدت بعدم التعهد، وهناك إمكانية أنّني أضعتُ مكان إقامتي أو مولدي، كما قد تكون الكارثة كلّها في عدد المشاوير من الممكن جدّا أنّها جربت العصيان، فزادت إلى إضافة ما لا نهاية لكن بأقل درجة، يبدو أنها تسوية معقدة، سأحاول فكّها بعد حين، عندما أنتهي، لنتابع آخر الافتراضات، ربّما ابتليتُ بخشونة قبعة، وأستلزمُ إلى أن أوصلها بأدوية الفشل، أو البشاشة في محيّا الوجهة، من الممكن أنّ النّصيب أدخل في متاعي إشارة الوجهة وجهة الحنين إلى الماضي، وبتّ مذنبا بالعزو إلى هناك، حيث أنا، وأرغمتُ على شقّ هويتي المجلتنة هنا، كلّها افتراضات ممكنة ومشوّشة، لكن ليست مشكلة، سأظنّ أنّ الحالة تشوّشت قليلا، حتّى أهب لذاتي حجّةَ وصواب التّحيّن أكثر، تحيّنٌ سيطول بالتأكيد، إنّه لمناسبة للانكشافِ على الكلّ ودرايتي المجنونة فيهم، ومناسبة لظهور شعرٍ كهذا. عندما تكتبْ الأشعارُ نهلكُ نحن في آخر الخواء الصامت الممل، الّذي يتقدم على الحدّ، والعبارة الأخيرة هي من تودّع النعش وتلتزم بقبرنا خارج الخطوط والحروف، الّتي ستبدو وحيدة من بعدنا. قد أتحيّن الفرصة في ترداد رمز الولوج الخاصّ بي، كي لا أسقط في نطقِ كنيتي الغريبة، فترتابُ أناي المتعبة في أنّني هي وتمنع عني جذل الحضور. كما سأجرّب رحلةً في الضباب الأبيض، لربما أصطدم بقمر ضائع فيدلّني إلى أولى المسافات لأدري كم أمعنُني، ولأخطف نظرةً على حالي المزري منذ زمن، وأعتمد على القبعة، ما هذه القبّعة دون رأس؟ أين رأسي؟
لربّما قُطع بسبب محاولة وقوعٍ للأمام، لم يتحسس رأسي وعورة السقوط إلى بطاقة شخصيتي البالية منذ زمن وقمت بجلتنتها أخيرا، لكي لا تمحى حروف اسمي منها، ولم يدر بأنّ القانون منع النّظر إلى الأساطير قبل المجيء، لكي لا أحسّ بقفرِ المنطقة، وهو يذلّني، ويذلّ بي معامل كشف الشيفرة المتدفقة من تغيرات انتقالية، المتشبّع للبن أطعمته إكراها للعالم كيْ أحيي فيه صاحبا لي. ليس من أجل أي شيء، إنما لكيْ أرمي بي في دياجير التحيّن، فأمسكُني بينما أسير إليَّ رافعا محاسن المعطف الممزق والمحبب لي في الذراعين وزرقة في المقلتين الغائرتين. فعوضا عن التحيّن سأحضن المعطف الممزق والمحبّب لي، لأنه يذكّرني بحبيبتي، التي هجرتني ذات زمنٍ ورحلت فجأة وبقي رحيلها لغزا، ولذلك سأحضنه إلى العينين لأتمكّن من صدح شعرِي هذا ولا آبه إلى صوتِ ساعتي الثمينة والمكسّر زجاجها منذ زمنٍ، وأتحيّن فرص الافتراضات كلها بلا أيّ مللٍ أو خوفٍ مما أتنبأه، رغم ما أراه من دياجير أمام عيني المتعبتين والغائرتين.



