النسخة الرقميةثقافية

لستُ نازحاً .. العراق بيتي والعراقيون أهلي وأخوتي حماد الشايع: من طبّل و روّج للإحتلال والطائفية والفاسدين والتطرف ذهبوا هم وقصائدهم إلى مزبلة التاريخ

المراقب العراقي/ حامد الحمراني

هو شاعر فصيح يجيد لغة التفعيلة ويكتب نصوصا تدخل الى القلوب والعقول، هُجّر في زمن التكفير والارهاب من مدينته الام القائم في اقصى غرب الانبار الى بغداد. ولأنه لا يجيد لغة الطائفية ولا يلعب على اوتارها بحكم ما به من حب للوطن وألم لتلك الشظايا المجنونة التي تريد تفتك بالانسان، عاش آمنا على نفسه وعائلته، بل أصبح محط اهتمام من الجميع، ليس جيرانه فقط وانما من اصدقائه الذين يتابعونه و يحبونه ويحبون كتاباته التي تتغنى بالوطن والانسان والجمال.انه الشاعر حماد خلف شايع الجغيفي صاحب ديوان (خَلْفَ ناي الوجْد) وديوان (سُقيا لكَ الغيثُ) وله مجموعة نثرية بعنوان (نوارس الحروف) وقريبا سيصدر له ديوان ثالث. حاصل على بكالوريوس تربية رياضية/ جامعة بغداد، عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب، عضو اتحاد الادباء الدولي. شارك في العديد من المهرجانات والامسيات الشعرية داخل العراق.
(المراقب العراقي) إلتقت الشاعر حماد خلف شايع و كان معه هذا الحوار:
* كيف كانت هواجس الشاعر النازح من الأنبار الى بغداد؟
ـ لا اُخفيك ان الخوف والقلق كانا هما الهاجسين الاكثر مراودة لي منذ ان فكرت و قررت الفرار الى بغداد، لأن الصورة القاتمة التي رسمتها القنوات التلفزيونية الصفراء أنذاك كانت سوداء وقاتمة لدرجة تصورنا فيها ان كل الشيعة هم ميليشيات، وان السنة كلهم داعش، وان الخطف والقتل على الهوية هما المظهران السائدان، وعصابات الإجرام تجوب الشوارع علنا ليل نهار، وان لا وجود للأمن في بغداد.
* كيف رأيت مؤسسات المجتمع المدني؟ ومدى ارتباطك الثقافي؟ واصدقاؤك مَن هم؟
ـ مؤسسات المجتمع المدني التي ارتبطت بالمشهد الثقافي كانت فقيرة جدا لم اُلاحظ لها دوراً في تبني مهرجان كبير او احتفالا جماهيريا يليق بالثقافة العراقية. وارتباطي كان وثيقا بعدد من المجاميع الثقافية التي حاولت وتحاول ان تتبنى فكرا ثقافيا بعيدا عن الاحزاب والسياسة والطائفية ونبذ كل ما من شأنه ان يفرق بين العراقيين، كتجمع شعراء العمود، ومجموعة شعراء المتنبي، ومجموعة ملتقى رضا علوان، واتحاد المثقف العام، واتحاد الادباء الدولي، ومؤسسة بلا اقنعة، ومؤسسة قلم الثقافية. وتربطني علاقة طيبة مع كل المؤسسات الثقافية في المتنبي كرابطة شعراء المرسى، و رابطة شعراء المتنبي، ومؤسسة حياة والتجمع العراقي الاصيل.
أصدقائي هم العراقيون والمثقفون الذين يتبنون موقفا موحدا يرفض كل اشكال الطائفية وتمزيق اللحمة الوطنية. وقد اصبح لي من الاصدقاء قائمة ما ان لو جلست اُدونها لساعات فاني لن اكملها وتربطني بهم جميعا علاقة حميمة.
* كيف وجدت المثقفين في بغداد؟
ـ المثقفون في بغداد طوائف واجناس منهم من يحمل هم المذهب والطائفة ومنهم من يحمل هم حزب وفكراً ما ومنهم من يسعى ليكون له اسم من خلال اقحام نفسه وتبني افكار لايتفق فيها الا مع ذاته والسواد الاعظم منهم يحمل هم العراق واوجاعه وهؤلاء هم من يتصدر المشهد الحالي وهم من يعول عليهم لحمل راية الثقافة العراقية التي دائما ما كانت هي الرائدة على مستوى الوطن العربي.
وفي الجانب الآخر وجدت صراعا ثقافيا يدور بين النثر وقصيدة العمود حيث يرى النثريون ان قصيدة العمود انتهت وعلى الشعراء ان يأتوا بسياق جديد يفتح للشاعر افاقا جديدة وافكارا جديدة من خلال التحرر من ضوابط القصيدة العمودية كالوزن والبحر والقافية في حين يرى الطرف الآخر ان القصيدة العربية هي قصيدة العمود وما سواها فهو قصيدة اجنبية. وان النثر هو فن وجنس ادبي مستقل بذاته وهو قديم ربما اقدم من القصيدة فكلام العرب كان نثرا ولايجب تسميته بالقصيدة او الحاقه بذيل القصيدة وبين هذا وذاك كانت لنا آراء وتوقفات.
* كيف كان إستقبال النجفيين لك ولقصائدك؟
ـ زيارتي للنجف كانت هي الاولى ولن تكون الاخيرة بإذن الله. كانت بدعوة كريمة من اتحاد الادباء فرع النجف الى اتحاد المثقف العام وحين وجهت لي الدعوة لم اتردد لحظة في الموافقة وفور وصولي هناك قدمت الى اهل النجف كشاعر من الانبار فكانت حفاوتهم بي تفوق التصور منحوني كل اشكال المحبة تفانوا جميعا في اكرامي. اظهروا لي اصالة العراقيين وطيبتهم لم اشعر بينهم ان هناك طائفية كان الجميع يحملون هاجساً ان العراق لأهله وانه كذلك بوحدته الوطنية. حملت بقصائدي اليهم رسائل أهلي واوجاع وطني فكانت استجابتهم عاصفة من التصفيق كلما لامست فيهم جرحا يئن. ومما قرأت:
نجف المكارم للخلائق أشرف
ويثور عشقُك في القلوب ويعصف
فلكم تسابق للضريح متيمٌ
بهوى عليٍّ قلبُه يَتَخَصّفُ
يا قِبلة الشعراء نحوك أقبلت
عطشى القصائدُ من بحورك تغرف
فاذا تجلت سَوْرَةٌ بخصالها
طفقت عليها من غصونك تخصف
انبار تهدي قبلة بسلامها
وانا الرسول وجئتكم اتشرف
بمشاعري نوق يجن حنينها
والجمر في سفح المدامع يُذرف
ويدي تَخيط الحب ثوبا ابيضا
غصن من الزيتون اومأ يرجفُ
وحمامة في كف نوحَ تمايلت
والارض مادت والعيون ترفرف
من يطفئ النيران صوت حرائقي
هزّ المدائنَ والمآذن تهتف
يا ليت في قبو النجوم تعلّة
لكنما الايام ليل اسجف
* ما مهمة الشاعر من خلال الكلمة في خلق اجواء ثقافة التسامح؟
ـ الشاعر رسول الكلمة الصادقة والموقف النبيل، وكلما كان على درجة عالية من الثقافة استطاع ان يملك قلوب الاخرين فهو يخاطب احاسيسهم وقادر على التاثير فيهم وعليه ان يتبنى خطابا معتدلا وان يقف مسافة واحدة من الجميع يزرع بين الناس حروفا تبعث الى التسامح ونبذ العنف وان يخلق اجواءاً من البهجة بين الجميع.
* على من نعول في التغيير ومغادرة العنف والتأجيج الطائفي؟
ـ بعد فشل الخطاب السياسي والخطاب الديني في توحيد العراقيين اصبح لزاما علينا ان نتبنى خطابا آخر وليس هناك افضل من الخطاب الثقافي فهو القادر على جمع العراقيين من مختلف المذاهب والطوائف تحت خيمة الابداع وحب العراق واهله.
* ما الرسالة التي ستبعثها الى اهلك في الانبار من خلال معايشتك في بغداد وكيف ترد على هواجسهم ومخاوفهم من الطائفية؟
ـ اقول لهم انا منذ اكثر من سنتين اسكن في شارع في منطقة سكانها مزيج من المذاهب لم يحدث ان استفزني احد او حاول استغلال ظرفي بل على العكس كانوا يحاولون التخفيف من معاناتي بكل الوسائل لم اشعر بينهم بالغربة او الخوف واصدقائي في اغلب مناطق بغداد، اتواصل معهم اذهب للمتنبي كل جمعة اشارك في الامسيات الثقافية والبي كل الدعوات التي توجه لي في اي مكان في بغداد والمحافظات و رسالتي لهم ليس كل ما يذاع من اخبار صحيح ولا تستمعوا لأي خطاب يوجهكم للتفرقة فليس هناك اكثر دفئا من حضن العراق وحب اهله.
* كيف يمكن ان تتحول القصيدة الى بيان رقم (1)؟
ـ عندما توصد جميع الابواب بوجه الحالمين برؤية بلدهم موحدا خاليا من كل اشكال العنف والفساد والطائفيه تاتي القصيدة حاملة كل تفاصيل الوجع رافعة راية الوحدة الوطنية داعية كل اهلنا الى الاصغاء لكل حرف في ملكوتها عند ذلك تكون البيان رقم (1).
* ما اقتراحاتك لتفعيل ثقافة السلم الأهلي وثقافة التسامح والعبور على ازمة الثقة بين المكونات؟
ـ غلق جميع القنوات التلفزيونية التي تتبنى الخطاب الطائفي والقنوات التي ترتبط باجندات خارجية هدفها ابقاء البلد في حالة فوضى وبث السموم. البلد في حالة فوضى وبث السموم بين مكوناته وهذا ينطبق على الصحف والمجلات.
* هل اثر نزوحك على ادبك وقصيدتك؟ هل اثرت مخاوفك في نتاجك؟
ـ بالتأكيد هناك تأثير كبير لهذه الصفحة على نتاجاتي الادبية فقصيدتي اخذت طابعا اخر وصارت تحمل رسالة انسانية الى المجتمع العراقي من خلال القصائد التي كتبتها للنازحين ومعاناتهم فكنت اعرف الجمهور واقول:
ريشتي جرح وحرفي نزفه
وليالي وايامي سواء
جئت من ارض روتها ادمعي
اهدت الاقدار للحر بكاء
دارت الدنيا على احرارها
واستلذ العبد ملكا وثراء
تلك داري مزقت استارها
فالتحفت الثلج للبرد فراء
وعلى جسر المآسي ضحكت
حرة ثكلى فزادتني شقاء
اذكرهم بمكانة اهلي وما جرى لهم والمذلة التي كان يعاني منها الهاربون من بطش داعش على جسر بزيبز.
وعندما ارى اهلي في وطني يذبحون من الوريد الى الوريد قلت:
ابكي على الدار ام ابكي على وطني
كلا الذبيحين في طفيهما شجني
هناك داري يلف الخوف شرفتها
تبكي السنادين شحت فوقها مزني
هناك اهلي سكون الليل يوحشهم
وسكرة البعد فيها ابحرت سفني
وعندما اقتلعت مياه الامطار خيام النازحين توجهت برسالتي الى السماء بعد ان عجزنا عن مخاطبة السياسيين فكتبت:
ألا كفي غيومك واتركينا
الم يكفِ بأنا مبتلينا
ارينا وجه شمس مستدير
عطوف حين يبصر نازحينا
كتبت لامي التي تشظى عنها ابناؤها بين نازح ومهجر ومغترب
عيد على الناس هلّا جئت ياعيد
فقلب امي تسليه التناهيد
لم يبق في عينها دمع لتهمله
وسمرة الخد سامتها التجاعيد
وعندما تعرض اهلنا الى جشع اصحاب العقارات كتبت يا حادي الجرح والتي اقول في مطلعها:
أطفئ لهيب الاسى ذا جرحنا النزف
نحن الكرام ومنا الخير يغترف
يا جرحنا النزف اوهتنا مدامعه
واورق الشيب حين استذكر الترف
كانت مشاهداتي للواقع المرير الذي يعيشه النازحون ترسم صورا لقصائدي. اقف عند طفل نازح في العاشرة من عمره تعرض والداه لحادث توفي والده وبترت ساق امه ترك دراسته وراح يبيع قناني الماء ليعيلها واخويه الصغيرين فكتبت في مهب النزوح اقول فيها:
يغلي بقدر الصبر قوت عياله
ويهز جذع النخل تمر سؤاله
ويؤمه القلب اليسابق خطوه
يخفي صواع كرامة برحاله
كتبت لبغداد اخت مريم وكتبت وجع العراق وكتبت للمرأة. وعندما نتحدث عن المخاوف وتاثيرها في النتاج الادبي اقول لك انني لا احمل في قصائدي شيئا يجعلني اخاف. الشعر عندي رسالة. لا انتمي لطائفة او حزب معين انا انتمي للعراق وحده لذلك مشروع القصيدة عندي هو العراق بكل مكوناته.
* مشاركاتك في الداخل والخارج.
ـ شاركت في الكثير من الاصبوحات الشعرية التي تقيمها المجاميع الثقافية في المركز الثقافي في المتنبي والامسيات التي تقيمها هذه المجاميع في القاعات والملتقيات الادبية وفي الجامعات وفي محافظات الجنوب و وجهت لي دعوات للمشاركة خارج العراق لكنني لم استطع التوفيق بين عملي وظروف عائلتي وبين الاستجابة لتلك الدعوات.
* كيف تقيم القصيدة في زمن الازمة والاحتلال والعنف والتطرف؟
ـ القصيدة هي القصيدة في كل زمان ومكان لكن الذي يتغير وتدور حوله الاشكالات هو موضوع القصيدة انتماء الشاعر. من كانت قصيدته خالصة للحياة تعبر عن انتمائه الحقيقي لبلده واهله لن تؤثر في هذه الازمات وسيبقى شعره خالدا في الذاكرة هناك من طبل وروج للاحتلال والطائفية والفاسدين والتطرف اين هم الان واين قصائدهم ذهبت وذهبوا معها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى