الباب

لا أفهم لغز الانسحابات في عالم مكتظ بالسوداوية. علاقات مزيفة تناغم وتجانس في السلوك الدوني، حين تنأى بنفسك عن موارد التشبث بالممارسات المشينة. تجد من تلطخت وجوههم بوحل الرذيلة يشيح وجهه عنك. الشعور بالمرارة يجسد صعوبة الانسجام مع ملامح تبطن الكثير من الكراهية. كيف لك أن تعيش وسط هذا الكم الهائل من الانحطاط؟ هل يوجد مهرب من زيف مجتمعي متكرس في ارجاء هابطة تشكل علامات مهترئة (ربي أنهن أضللن كثيراً من عبادك). شعور بالمرارة يراودني لا أستطيع التقاط أنفاسي، قواي تخور، التأثيرات الجانبية له وقع مؤلم في خاصرتي. اليوم الرجل الطويل صاحب العقال واليشماغ الاحمر أتى بحركات تنم عن الخسة، كيف أواجهه وهو قريب من مصدر (الباب العالي)؟! هذا الباب الذي ما فتئ يرتفع بدون وجه حق. الرداءة تغزو الابواب. هناك أبواب من خشب وطلاؤها لا يغري، وأبواب صنعت من حديد لم تطلَ بأصباغ الصدأ، لكن الباب الذي أجلس خلفه بلا رتاج، ما تخفي وراءها. مرات يكون هناك اجتماع وعلى مستويات، وأخرى لقاءات ولك أن تتصور عمقها. حسب الاشخاص الذين يتلاقون، لكني بعيد عن هذه الاحتمالات، أريد فقط تجاوز الباب العالي. كيف يتسنى لي ذلك؟ حين تتحول الوجوه الدفينة الى مسحة ملامح غراب، ربما يكون منظر بوم ينعق، لا يكون أمامي سوى الانحسار في زاوية معتمة تعبر عن قنوطي المبهم. زر سترته ذات القماش المرسوم عليه مربعات نسجت الخطوط بعناية كي يتحاشى النظر نحو الشباك المنكفئ على صورة اللقلق المنكسر منقاره. يواسد الابواب الممسوحة الالوان حتى يعترف له الاخرون بسبقه في المناورة.
ما زال في الحديقة المجاورة من يرفع صوته بمقام يكشف عذوبة نبراته. وهذا المتطاول في الممر، يوزع رشاه على الاجراء، اغمض طرف عيني، لأشعره بالطمأنينة. يدس المبلغ في جيب بنطاله مبتسماً بوجهي ملقياً التحية بحرارة، حتى يداري موقفه المحرج. صاحب السترة يتوارى عن أنظاري، مستغفراً الله، يومياً يمارسون نفس اللعبة، لم أعد أحتمل البهلوانات، السيرك يناقض قيمّي، لكنهم يشيحون وجههم عني لأبدو لعبة قش ممزقة. يقول برج العقرب اليوم «لا تكشف سرك إلا للحبيب». لكن الباب الموصد فتحه موظف حرفي. وما تبقى لي لم يعد فيه سِرُ ولا حبيب بسبب بسيط أن الباب العالي أغلق في وجهي كل رتاجات المدينة النابضة على قمامة المراحيض الممتلئة بقذارت بشر من يخوضون بانهمار الرذيلة حين تصفع الوجوه.



