النسخة الرقميةثقافية
مناجاة
حسن المغربي/ ليبيا
أصغي إلى نفسي كثيرا، وهي تحاورني عن الإحساس وجمال الكلمة وعذوبتها، تخبرني عن رعشة القلب وتقلصاته ونبضاته، عن الصورة التي تركت دون ألوان، عن الرغبة الجامحة في تحطيم الأشياء.. هي تعلم بأنني لن أفهم ما تُريده في تلك السويعات المتأخرة من السحر، وتدرك تماما مدى عجزي في استيعاب الأفكار الوجدانية! كم تمنيت ولو مرة واحدة أفهم ما تقوله أثناء خلوتي؟
والنفس راغبة إذا رغّبتها
وإذا ترد إلى قليل تقنع
أتركها تتحدث كما يحلو لها، وأحاول جاهدا كدّ ذهني كي أفهم ولو شيئا تافها مما تقوله، لكنها تأبى المناجاة بحسب المنطق والمعقول، تسير بي دائما إلى دروب لا نهاية لها، وكلما طلبتُ منها المساعدة، تردد جملا متقاطعة قريبة جدا من التعاويذ: رجال الفضاء، سر الموت، رائحة التراب المبلل بالندى، الغروب، البحر.. وأحيانا تأمرني بالاستماع إلى صوت الكروان القادم من الصحراء، وقد ترغبني في الاستماع إلى هفيف الأشجار التي أجلس تحتها أمام المنزل عند الأصيل، وفي أحيان كثيرة تلح علي في أن أستخدم القلب والشعور مهما كانت الظروف، لأن الذهاب وراء الإحساس كما تقول يؤدي حتما إلى راحة البال والضمير، أ ليست الطبيعة بما فيها من أشجار وبحار وكائنات تبحث دائما عن الدفء والطمأنينة من خلال اللمس أو الرائحة أو الحركة ؟ أ ليست بذور الفاكهة والخضروات هي أصل الأشياء وسر النمو! كم مرة بحق السماء زَرعت بذرة الوردة نفسها في تلك الحديقة؟ كم مرة احترقت سنبلة القمح ثم عادت تعانق شمس الخضرة/ شمس تموز! أ ليست مياه البحر في مدها وجزرها وملوحتها وصيرورتها المتناهية أمارة ظاهرة على بقاء الجنس الإنساني الموجود على سطح الأرض منذ زمن سحيق!
وحينما أستمع إليها أقول في المقابل «ملاحظة النفس يمكن اختزالها في جملة أو انطباع خاص، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى فهم عميق لمكونات الطبيعة بما فيها من بحار وفضاء وعالم ما ورائي مجهول الهوية، هي تفترض من خلال التخمين فرضية ثانية تكمن في مكان ما، وغالبا لا تصل إلى شيء مهم ،هذه الفرضية هي في الأساس هواجس غيبية تقتنصها في لحظة الإغماء أو النوم وأحيانا عند الصرع، وتأتي في مدد منجمة على شكل شفرات سيميائية لا يمكن الركون عليها في رسم الأشياء كما هي في الواقع، لأنها لا تملك الحقيقة أو أنها صورة مشوهة لها، صورة دون ألوان (أبيض/ أسود)، صورة ضبابية تشبه لوحة مرسومة بقلم رصاص، هذا ما فهمته من تقاريرها وأخبارها المتشابهة الغامضة، وأنا هنا أعترف أنني سرعان ما أضيق من نفسي في هكذا حالات! ومما لا شك فيه أن السعادة والمرح واللذة المتواصلة وكل المشاعر الجميلة هي شرف وفخر لجميع الكائنات وليست فضيحة يهرب منها المرء أو يحاول مداراتها، وكم أغبط كل من يحاول أن يعيش على الطريقة الأولى، طريقة الأشباح التي لا تعترف بالقبيلة ولا تتعامل بطقوسها وتقاليدها البالية».
أصغي إليها مجددا، لكن هذه المرة سأحاورها على طريقة سقراط، عسى أن تعود إلى رشدها وتقتنع بفساد رؤيتها التي لا تنتمي إلى قانون الطبيعة ونظامها العام، وسأبدأ معها بسؤال نسبي طالما شغل الناس منذ زمن يجهل مداه، وأترك لها المساحة الكافية في الإجابة حتى لا تتهمني بحبها على أقل تقدير.. وسؤالي الخالد هو «أنت نفسي وأنا نفسك» أيهما الأصل أنا أم أنت؟
ترددت في الإجابة ثم صاحت: لا يوجد فرق على الاطلاق، كل ما هنالك من تمايز ظاهر بيننا هو تمايز مفتعل يعود أساسا إلى الاختلاف في طرق التفكير، فأنا من الماضي وأبحث عن نسماته ورائحته المؤنسة بإلحاح، وأنت من الحاضر تستشرف المستقبل وتجهل اللحظة الآنية التي تعيشها، فأنا وأنت كلانا من (الماضي والمستقبل والحاضر) وبحساب الزمن البسيط أنا جزء وأنت جزء، ونحن معا كل، لكننا لسنا بالضرورة شيئا واحدا..
والنفس راغبة إذا رغّبتها
وإذا ترد إلى قليل تقنع
أتركها تتحدث كما يحلو لها، وأحاول جاهدا كدّ ذهني كي أفهم ولو شيئا تافها مما تقوله، لكنها تأبى المناجاة بحسب المنطق والمعقول، تسير بي دائما إلى دروب لا نهاية لها، وكلما طلبتُ منها المساعدة، تردد جملا متقاطعة قريبة جدا من التعاويذ: رجال الفضاء، سر الموت، رائحة التراب المبلل بالندى، الغروب، البحر.. وأحيانا تأمرني بالاستماع إلى صوت الكروان القادم من الصحراء، وقد ترغبني في الاستماع إلى هفيف الأشجار التي أجلس تحتها أمام المنزل عند الأصيل، وفي أحيان كثيرة تلح علي في أن أستخدم القلب والشعور مهما كانت الظروف، لأن الذهاب وراء الإحساس كما تقول يؤدي حتما إلى راحة البال والضمير، أ ليست الطبيعة بما فيها من أشجار وبحار وكائنات تبحث دائما عن الدفء والطمأنينة من خلال اللمس أو الرائحة أو الحركة ؟ أ ليست بذور الفاكهة والخضروات هي أصل الأشياء وسر النمو! كم مرة بحق السماء زَرعت بذرة الوردة نفسها في تلك الحديقة؟ كم مرة احترقت سنبلة القمح ثم عادت تعانق شمس الخضرة/ شمس تموز! أ ليست مياه البحر في مدها وجزرها وملوحتها وصيرورتها المتناهية أمارة ظاهرة على بقاء الجنس الإنساني الموجود على سطح الأرض منذ زمن سحيق!
وحينما أستمع إليها أقول في المقابل «ملاحظة النفس يمكن اختزالها في جملة أو انطباع خاص، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى فهم عميق لمكونات الطبيعة بما فيها من بحار وفضاء وعالم ما ورائي مجهول الهوية، هي تفترض من خلال التخمين فرضية ثانية تكمن في مكان ما، وغالبا لا تصل إلى شيء مهم ،هذه الفرضية هي في الأساس هواجس غيبية تقتنصها في لحظة الإغماء أو النوم وأحيانا عند الصرع، وتأتي في مدد منجمة على شكل شفرات سيميائية لا يمكن الركون عليها في رسم الأشياء كما هي في الواقع، لأنها لا تملك الحقيقة أو أنها صورة مشوهة لها، صورة دون ألوان (أبيض/ أسود)، صورة ضبابية تشبه لوحة مرسومة بقلم رصاص، هذا ما فهمته من تقاريرها وأخبارها المتشابهة الغامضة، وأنا هنا أعترف أنني سرعان ما أضيق من نفسي في هكذا حالات! ومما لا شك فيه أن السعادة والمرح واللذة المتواصلة وكل المشاعر الجميلة هي شرف وفخر لجميع الكائنات وليست فضيحة يهرب منها المرء أو يحاول مداراتها، وكم أغبط كل من يحاول أن يعيش على الطريقة الأولى، طريقة الأشباح التي لا تعترف بالقبيلة ولا تتعامل بطقوسها وتقاليدها البالية».
أصغي إليها مجددا، لكن هذه المرة سأحاورها على طريقة سقراط، عسى أن تعود إلى رشدها وتقتنع بفساد رؤيتها التي لا تنتمي إلى قانون الطبيعة ونظامها العام، وسأبدأ معها بسؤال نسبي طالما شغل الناس منذ زمن يجهل مداه، وأترك لها المساحة الكافية في الإجابة حتى لا تتهمني بحبها على أقل تقدير.. وسؤالي الخالد هو «أنت نفسي وأنا نفسك» أيهما الأصل أنا أم أنت؟
ترددت في الإجابة ثم صاحت: لا يوجد فرق على الاطلاق، كل ما هنالك من تمايز ظاهر بيننا هو تمايز مفتعل يعود أساسا إلى الاختلاف في طرق التفكير، فأنا من الماضي وأبحث عن نسماته ورائحته المؤنسة بإلحاح، وأنت من الحاضر تستشرف المستقبل وتجهل اللحظة الآنية التي تعيشها، فأنا وأنت كلانا من (الماضي والمستقبل والحاضر) وبحساب الزمن البسيط أنا جزء وأنت جزء، ونحن معا كل، لكننا لسنا بالضرورة شيئا واحدا..



