النسخة الرقميةثقافية

دراسة آثارية ـ تحليلية إنطباعات الرسامين المسلمين لواقعة ألطف الأليمة

3

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

إنني إذ لا أشكك بمقدرة الله (سبحانه وتعالى) على أعطاء الكرامات والمعجزات لعباده الصالحين، وليس بعيداً عن الإمام الحسين (ع) هكذا كرامات، لكن واقع الأحداث وسيناريو القصة يجعلنا لا نقر بها بعدّها جزءاً من أحداث يوم عاشوراء

ويتضح ذلك من خلال قول الكاتب إنه (أراد التوجه إلى الخيام لتضميد جراحاته)، ومثل هكذا مسألة لا يمكن تصديقها إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن جيش يزيد منع الماء عن معسكر الإمام وقام برميهم بالسهام عندما قاموا للصلاة، فكيف يعطي الوقت لكي تقوم السيدة زينب (ع) بتضميد جراحات الإمام. والهفوات في هذه القصة كثيرة ونحن لسنا بمحل تحليلها ونقدها. لكن من جانب آخر فإن للتأريخ دوراً في نسج هذه القصة حيث أن علاقة العرب بالهند علاقة قديمة من خلال التبادل التجاري معهم. وتشير المصادر التاريخية إلى أن بعض ملوك الهند قاموا بإعطاء بعض الهدايا إلى الرسول الأكرم محمد (ص)، وكذلك استوطنت جاليات عربية هناك قبل الفتح العربي الإسلامي لبلاد الهند.
كما تذكر المصادر أن الإمام علي (ع) قد اعتمد على المتطوعين من المسلمين ذوي الأصل الهندي خاصة، واستخدمهم لحراسة أموال البصرة في موقعة الجمل، وفي خلافته (ع) توجه الحارث بن مرة العبدي سنة (39 هـ/ 658 م) على رأس ألف فارس من المسلمين وقوات أخرى من أهل البلاد لفتح الهند ودخلوا في معركة دامية وتمكنوا من تحقيق النصر هناك. لكن استشهاد الإمام سنة (40 هـ/ 659 م) اضطر الجيش للعودة دون إكمال مشواره في الفتح.
هدفنا من العودة إلى هذه الأحداث التاريخية التي تعنى بتاريخ الهند هو الإطلاع عن كثب لمعرفة حقيقة تلك القصة، ولعلنا نميل إلى القول: إن القصة كانت من نسج خيال خصب للقاص أو الراوي والذي ربط بين علاقة الإمام علي (ع) مع بعض الهنود الذين استخدمهم وبين حبهم لآل البيت (ع) وبين نسج هكذا قصة، وقطعاً فان الراوي أراد أن يستعطف قلوب الجمهور لواقعة الطف الأليمة وحاول إعطاء بعد تاريخي عن استمرار العلاقات الحميمة بين آل بيت النبوة وبين الهنود، ولكننا نقول: إنها خيال قاص أراد من خلالها إظهار عظمة الإمام الحسين (ع) بصورة أسطورية، برغم أنه عظيم بأفعاله وكفاحه وجهاده وتضحياته، ومثل هكذا قصص لا تزيد من عظمة الإمام الحسين (ع).
لعل تواتر الأخبار قد أحدثت بعض الخلط بين الرواية سابقة الذكر وبين رواية مشابهة حدثت بين الإمام الحسين (ع) وبين أسد أيضاً، حيث جاء في تاريخ الطبري عن راشد بن مزيد قال: شهدت الحسين بن علي وصحبه من مكة حتى أتينا القطقطانة، ثم استأذنته في الرجوع فأذن لي فرأيته قد استقبله سبع (أسد) عقور، فوقف له، فقال له: ما حال الناس بالكوفة؟ فقال الأسد: قلوبهم معك وسيوفهم عليك. فقال: ومن خلفت بها؟ فقال الأسد: ابن زياد قد قتل ابن عقيل. قال: وأين تريد؟ قال الأسد: عدن. قال: أيها السبع هل عرفت من ماء الكوفة؟ قال الأسد: ما علمنا من علمك إلا ما زودتنا. ثم انصرف وهو يقول: (وما ربك بظلًام للعبيد)، قال: كرامة من ولي وابن ولي.
أما من الناحية الفنية فقد نجح المصور في اعطاء صفة العالمية للوحته وقد استوحى ذلك من خلال الربط بين القصة التي وردت في كتاب (كنز المصائب) وبين قصة الأسد الذي تحدث مع الإمام الحسين (ع) في القطقطانة وبين واقعية معركة الطف. ولعلنا نتفق مع عفيف بهنسي عندما يقر بأن الإنسان الشرقي يعتمد على الحدس والخيال، وبالتالي فان الفنان الشرقي عموماً يخاطب العاطفة والروح.
في خلاصة الموضوع الفني نلاحظ أن الفنان قد مزج بين الأساليب الفنية الساسانية وبين الأساليب الفنية العربية وذلك من خلال استخدام الهالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى