النسخة الرقميةثقافية

إنطباعات الرسامين المسلمين لواقعة الطف الأليمة

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

1

لم تكن حادثة ألطف أو واقعة كربلاء أو استشهاد الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه (رض) بالحادثة الهامشية والبسيطة، بل كانت إحدى اكبر حوادث التاريخ العالمي بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص، حيث شغلت فكر المؤرخين والباحثين على مر العصور وحتى وقتنا الحاضر وتناولتها أقلام محبي آل بيت الرسول (ص)ومبغضيهم على حد سواء.

دراسة آثارية ـ تحليلية
لذلك يمكن لنا القول إنها حادثة تضاهي حادثة الطوفان التي كانت الحد الفاصل بين تاريخ ما قبل الطوفان وتاريخ ما بعد الطوفان، وما حادثة الطف الإجرامية إلا طوفان إسلامي غيّر من خلاله مجريات التاريخ منذ استشهاد أبي الأحرار الحسين وأبنائه (ع) وأصحابه حتى يومنا هذا وستمتد حتى قيام الساعة.
أمام كل ذلك كان للفن والفنان المسلم دور واضح من تلك الحادثة الجلل مثلما كان دور للمؤرخ والأديب والمثقف ورجل الدين والذي ساهم كل منهم في إبرازها كل حسب اختصاصه وعلومه، واختار لنفسه الطريق الذي وجد نفسه فيه قادراً على التعبير من خلال ما يمتلكه من ملكات تؤهله لطرح مصاب آل الرسول (ص).
فالرسام المسلم اختار طريق تجسيد هذه الملحمة البطولية بفرشاته ليروي للأجيال اللاحقة أبعاد الثورة الحسينية ونشر منهجها الإسلامي التربوي، حيث يعد فن التصوير اللغة الثانية التي يمكن من خلالها محاكاة الناس وإيصال الفكرة، ولم يكن المصورون المسلمون هم أول من اعتمد التصوير لنقل حادثة أو توضيح مبدأ معين، بل اعتمد التصوير في عدد من الأديان السماوية التي اعتمد توضيح مبادئها وقيمها بتصاوير كان لها أكبر الأثر في كسب المؤيدين وتعميق أيمان المهتدين. ولا سيما وأن المشاهد الواضحة والمباشرة هي في الغالب تستقطب جمهور العامة، أو الجمهور الذي يبتعد عن الحس التأملي، ولا يرغب بما يقدمه الفن من تأملات روحية، بل سيكون مهتماً بالجانب الحسي الذي يتواصل بسهولة مع مشاعره ومتطلباته ومدركاته المباشرة. وقد عبر عنه الفنان الأوربي «ميرلو بونتي» في فلسفته للفن بقوله (الفن لغة وأسلوب). ولا ننسى بما للدين والفلسفة والعلم والفن من دور في معركة الكفاح من أجل الحفاظ على المجتمع.
بين يدينا مجموعة من المصورات الفنية وهي رسوم جدارية في مسجد زيد(رض) بمدينة أصفهان، حيث تصور جانباً من مأساة كربلاء حينما هجم الجيش الأموي على الإمام الحسين وأصحابه واقتادوا النسوة كأسرى إلى الشام.
اللوحات تعود إلى فنانين مسلمين إيرانيين، من المؤسف أنه لم يؤرخ السنة التي نفذ فيها هذا العمل، لكنه ورد تاريخ ترميم تلك اللوحات وهو بين عامي (1685 ـ 1686 م)، وبناءاً على ذلك فمن المؤكد أن اللوحات قد نفذت قبل هذا التاريخ.
اللوحة الأولى جمعت فيها ثلاثة مشاهد لحادثة واحدة أراد المصور من خلالها إيصال فكرة واضحة ومعبرة عن قيام جيش يزيد (لع) بمنع وصول الماء إلى معسكر الإمام الحسين (ع) كي يهلكوا عطشاً وفي ذلك إعلام واضح لإدانة بني أمية بعدّ فعلتهم بمنع الماء عن النساء والأطفال الذين رافقوا الإمام الحسين (ع) إلى واقعة الطف بأنها إبادة جماعية منافية لقيم الإسلام. ومن وجهة نظر أخرى فإنها تجسد شجاعة وبسالة وصمود معسكر الإمام الحسين (ع) وتحملهم العناء والعطش إلا أنهم رفضوا الاستسلام وبقوا صامدين بوجه الطغيان.
لقد حاول الفنان من تقسيم هذه اللوحة الفنية المعبرة إلى ثلاثة مشاهد، المشهد الأول (صورة 1) تُظهِر لنا مشهداً عاماً عن عزم الإمام العباس (ع) للذهاب إلى الفرات وتزويد النسوة والأطفال بالماء. وقد شغل مقدمة اللوحة وأخذت حيزاً أكبر من المشاهد الأخرى لذا فهي تمثل أصل الموضوع الذي من أجله قام الفنان برسم اللوحة يبدو فيها الإمام العباس (ع) في مقدمة المشهد ممتطياً جواده ومرتدياً لامّة الحرب وخوذته المزينة بريشتين ويعلو رأسه هالة من نور على شكل ورقة شجر، وقد مد يده اليمنى ليتناول قربة الماء، وفي يده اليسرى كان ممسكاً رمحه.
إن إبراز هذا المشهد في اللوحة يعطي بُعداً إنسانياً بطولياً لدور العباس (ع) في المعركة، حيث جاء في منتخب الطريحي بقوله: (فتزايد العطش عليهم، فقال العباس (ع) لأخيه الحسين (ع): يا أخي ما ترى ما حل بنا من العطش، وأشد الأشياء علينا عطش الأطفال والحرم. فقال الإمام (ع): امضِ إلى الفرات وآتنا بشيء من الماء. فقال: سمعاً وطاعة.ويشير سماحة السيد هادي المدرسي في هذا المضمار الى أن العباس (ع) هو الوحيد الذي قتل يوم عاشوراء لقضية محددة هي محاولة ارواء عطش النساء والأطفال والرضع ذلك بعد أن قُتل كل الأصحاب والأقرباء بمن فيهم أخوته من أبيه وأمه ولم يبق أحد إلا هو والحسين (ع). ونظراً لأهمية الموقف البطولي والإنساني نرى أن الفنان قد برز هذه الحادثة بشكل واضح وأعطاه الأولوية بين رسومه.
من الناحية الفنية فقد صورت الهالة على شكل ورقة شجر ولعل الفنان قصد بها ورقة من سدرة المنتهى في الجنة للدلالة على قدسية شخص العباس (ع). والتي وردت في القرآن الكريم بقوله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى ). وجاء في التفسير أن المراد بسدرة المنتهى مكان الانتهاء والحد الأقصى الذي يبلغ إليه مخلوق حتى ولو كان من الملائكة، وقال جماعة من المفسرين أن في السماء السابعة شجرة تقع على يمين العرش وتسمى هذه الشجرة بسدرة المنتهى، أما جنة المأوى فالظاهر أنها جنة الخلد التي فيها من عجائب آثار قدرة الله وعظمته ما لا يبلغه وصف ولا يحده عقل وقد جعلها الله ثواباً للمتقين.
وفي اللوحة نفسها انتقل الفنان إلى المشهد الثاني بسلاسة وقد مزج بين البطولة والمعاناة التي عانى منها النساء والأطفال قبل المعركة وأثناءها (صورة 2) بإعطاء مساحة جيدة يظهر فيها لوعة النساء وقد أخفى ملامحهن تماماً في إشارة إلى قدسية تلك النساء وهن خارجات من خيامهن يترقبن مسير الإمام العباس (ع) إلى الفرات وعودته إلى المعسكر جالباً الماء كي يروي ظمأ الأطفال.
وعلى الرغم من أنه أظهر النساء وهن خارج خيامهن ـ وهذا الموضوع لم تثبته الوقائع التاريخية التي تواردت فيها أخبار مأساة كربلاء ـ والثابت أن النساء أخرجن قسراً بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) وأصحابه وكما سنلاحظه في لوحة أخرى لذات الرسام، لكن الفنان أظهر بشكل غير مباشر من خلال هذا المشهد معاناة الأطفال الذين يفترض أن يكونوا بمعزل عن القتال وأسبابه، فضلاً عن إيصاله رسالة واضحة أظهر فيها مستوى الخسة والقساوة التي تعامل بها الجيش الأموي تجاه آل الرسول (ص) ومناصريهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى