نورمبرغ .. المدينة الألمانية النائمة في حضن الطبيعة الخضراء

تفقد المدن سحرها عندما ترحل حجارتها القديمة عن شوارعها ومبانيها، عندما ينحر أهلها التاريخ باسم العمارة الجديدة ويدفنون ذاكرة ماضٍ ساهم في ولادة حاضر أمة، ليست أجمل مدن العالم ولا أعظمها تلك التي تستقطب السياح وتحيي في دواخلهم مشاهد لحيوات شعوب عاصرت حقبات زمنية حافلة بأحداث عالمية، بل لأنّ المدن كالبشر بعضها يبهرك للحظات قليلات، وبعضها يترك فيك لمسة حب تدغدغ ذاكرتك لتزورها من جديد، نورمبرغ المدينة الألمانية النائمة في حضن الطبيعة الخضراء واحدة من تلك التي لا تُنسى. قبل التطرق إلى تاريخ المدينة الأشبه بقرية صغيرة محافظة، لا بدّ من القفز أولًا إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، فنورمبرغ تعد مدينة فريدة بين مدن العالم، وبعد أن كانت مركزا رئيسا للنشاطات النازية منذ تولي أدولف هتلر السلطة عام 1933، وفي ساحاتها نظّم الحزب استعراضاته العسكرية ومؤتمراته السنوية، كُتب فيها فصل جديد من تاريخ العالم، واختارتها قوات التحالف لتكون مقرا لمحكمة دولية لمحاكمة النازيين.قبل 72 عاما، شهدت القاعة رقم 600 في المحكمة، وقائع المحاكمة الشهيرة لقادة الحرب النازيين، ونقلت شاشات التلفزيون أحداثها إلى العالم كله، وعلى الرغم من تدمير 90% من مبانيها خلال الحرب، فما تزال هناك عمارات نازية تدل على أهمية المدينة في فترة الحكم النازي. وبالعودة إلى القرنين الـ15 والـ16، شكّلت نورمبرغ مركز عهد النهضة الألمانية، وفيها امتزجت تقاليد النهضة الإيطالية مع القوطية الألمانية، هي مسقط رأس الرسام والنّحات ألبرخت دورر، وتحتضن كثيرا من أعماله، منها لوحة الرسل الأربعة، بطرس وبولس ومتى ويوحنا، وفيها ولد هانس ساكس الشاعر والمسرحي الألماني، وبيتر فيشر الأكبر، المثّال الذي اشتهر بصناعة تماثيل من البرونز، وقد كرس 15 سنة من حياته وحياة أبنائه الخمسة لإكمال رائعتهم النصب التذكاري للقديس سيبالدوس في سيبالدوسكيرش، القديس الحامي لنورمبرغ.وخلال حرب الثلاثين عاما التي مزقت أوروبا بين عامي 1618 و1648، وقد بدأت كصراع ديني بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت كصراع سياسي من أجل السيطرة على الدول الأخرى، أنهكت الحرب معظم الولايات الألمانية، وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض وهلك العديد من سكانها، تدهورت أوضاع نورمبرغ، ولم تستعد أهميتها إلّا في القرن 19 بوصفها مدينة صناعية، وصلت بينها وبين مدينة فورت أول سكة حديدية في ألمانيا عام 1835، ودخل إليها الإصلاح الديني منذ عام 1525.



