كيف تمكنت كوريا الشمالية من الحصول على صواريخها الإستراتيجية ؟


أدلى الرئيس الاميركي دونالد ترامب بتصريح امتدح فيه ما اسماه «القرار الحكيم» للرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ اون بعدم اجراء تجربة صاروخية باتجاه جزيرة غوام الاميركية في المحيط الهادي، لانه فيما لو انحرف الصاروخ عن مساره واصاب الجزيرة بالذات -التي توجد فيها قاعدة عسكرية اميركية ضخمة برية جوية وبحرية- فربما كانت تلك الشرارة التي تشعل فتيل الحرب العالمية الثالثة النووية.ومن المشكوك فيه كم يمتلك اون من الحكمة كي يتجنب الحرب النووية، لا سيما بعد ان صار بامكان كوريا الشمالية ضرب الشواطئ الغربية الاميركية على المحيط الهادي، مما سيؤدي حتما الى زعزعة النظام الاميركي تماما وزج اميركا في فوضى عارمة وازمة وجودية خانقة، حتى لو لم تصطدم بقوة نووية اخرى.. اي ان مصير اميركا اصبح منذ الان معلقا بقرارت وبـ»حكمة» القيادة الكورية الشمالية والوضع الصحي الجسدي والنفسي والمزاجي لرئيسها.وهذا يعني، ان مديح دونالد ترامب موجه بالاحرى الى محتضني اون، الذين يؤثرون في قراراته، وليس اليه شخصيا.ومع الاعتراف الكلي بالتضحيات الاقتصادية والمعيشية للشعب الكوري الشمالي والاعتراف بالجهود الجبارة للعلماء والخبراء التكنولوجيين والعسكريين الكوريين الشماليين، لا بد من طرح السؤال الكبير: من القوى التي تساعد بيونغ يانغ، وليس بدون ثمن، للحصول على امكانية صناعة الصواريخ الإستراتيجية التي تهدد الولايات المتحدة الاميركية ذاتها، وبالتالي تهدد جميع دول الناتو والدول الحليفة لواشنطن في كوكب الارض بأسره؟ اذ طرحت الصحافة الغربية الرصينة هذا التساؤل، وتحاول الاجابة عليه.. وتدور نقاشاتها حول ثلاث فرضيات رئيسة هي:* الفرضية الاولى: ان روسيا تمتلك حدودا مشتركة مع كوريا الشمالية. والعلاقات الروسية ـ الغربية لا «تشجع» روسيا على التقيد بالعقوبات وقواعد الحصار والمقاطعة التي يفرضها الغرب على كوريا الشمالية.. ويطرح خبير الصواريخ الالماني روبرت شموكر ان روسيا واوكرانيا كانتا في العهد السوفياتي تنتجان محركات للصاروخ السوفياتي طراز RD250ذات القمرتين، والتي توقفت صناعتها في ستينات القرن الماضي، وبقي منها المئات او اكثر بدون استعمال.. فهل وصلت محركات الصواريخ السوفياتية القديمة ذات القمرتين الى ايدي العلماء والاختصاصيين الكوريين الشماليين، الذين قاموا بتحويرها وتطويرها كي تصبح ذات قمرة واحدة صالحة للاستخدام في الصواريخ الكورية الشمالية الجديدة؟ هذا ما لم تستطع الصحافة الغربية ان تؤكده او تنفيه.* الفرضية الثانية: ان الصين الشعبية تعدّ روسيا شريكا في الإستراتيجية الاوراسية التي تؤمن بها الدولتان، ولكنها تعدّ الدولة الاميركية خصما.. وتعدّ الصين ان الحشود العسكرية الاميركية في المحيط الهادي والشرق الاقصى موجهة ضدها بالتحديد، ولدعم اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية.وفي تقدير بعض الخبراء ان الدعم الصيني للمشروع الصاروخي ـ النووي الكوري الشمالي، يمثل احد اشكال الرد الصيني «المستور!» على اميركا، و وسيلة للضغط عليها ومساومتها في جميع الشؤون الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية الدولية.. والصين لا تقدم خدمات مجانية لكوريا الشمالية، بل تحصل منها على الحديد وخامات الحديد وثمار البحر.* الفرضية الثالثة ـ اوكرانيا:نشرت جريدة «نيويورك تايمز» مقالة استندت فيها الى دراسة قام بها الخبير الصاروخي مايكل ايليمان (من المؤسسة العالمية للابحاث الإستراتيجية في لندن) بالاضافة الى بعض تقديرات الاجهزة السرية الاميركية، ولم تقدم الجريدة ادلة، بل فقط افتراضات.. وتقول ان مصنع «يوجماش» في المدينة الاوكرانية دنيبرو، كان مصنعا سوفياتيا قديما لانتاج محركات الصواريخ، وبعد ان دبّ الخلاف بين روسيا واوكرانيا بعد ضم القرم الى روسيا، انهار المصنع اقتصاديا.. وفي هذه الظروف قامت بعض الاوساط الاجرامية او عاملون سابقون في المصنع بتهريب وبيع بعض محركات الصواريخ او اجزاء منها، المتبقية في المصنع، الى كوريا الشمالية.ولكن فيتالي شوشتشيفسكي، نائب مدير المصنع سابقا لمدة 50 سنة يردّ بأن كل ذلك اكاذيب، ويرد الخبير الصاروخي الالماني روبرت شموكر (من الجامعة التكنولوجية في ميونخ) بأنه بمقدور العلماء في كوريا الشمالية صناعة محركات الصواريخ، ولكن التطور السريع لصناعة الصواريخ في كوريا الشمالية في السنتين الاخيرتين كان ممكنا فقط بعد الحصول على ارساليات من الخارج، إلا انه يمتنع عن توجيه اي اتهام.وأيا كانت الفرضيات واحتمالات صحة اي منها، فهناك واقعان لا يمكن نكرانهما وهما:أولا: فشل سياسة العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي والعلمي في اخضاع اي دولة لارادة الامبريالية الاميركية والعالمية.ثانيا: ان بلدا حتى بحجم وامكانيات كوريا الشمالية اصبح يشكل تهديدا نوويا حتى لاميركا.



