احترام الجماهير
السلوك اليوميَّ للنُخَب السياسيّة تجاه الجماهير هو الذي يحدِّد مدى التفاف الجماهير حول النخبة، أو انعزالهم عنها.. إنَّ الجماهير لا يُمكِن أن تلتفَّ حول مَن يُسيء إليها، ويتكبَّر عليها، ويعاملها بغطرسة وعنجهيّة، كما تعاملها القوى المُعادية لها,وإنَّ النُخبة السياسيّة لا يُمكِن لها أن تحقِّق أيَّ مُكتسَباتٍ على طريق الخط إلاّ إذا استطاعت أن تكسب الجماهير إلى جانبها، ولن يتمَّ هذا لسواد عيون النُخبة وعبقريّتها، وإنّما بالاحترام المُتبادَل بين الجماهير وهذه النُخبة..وإنَّ دور النخبة هو تعميق احترامها للجماهير؛ كي يتعمَّق احترام الجماهير لها، وأخطر ما يُمكِن أن يفصم عُرى التلاحم بين النخبة وجماهيرها هو شعور الجماهير بأنَّ هذه الفئة لا تختلف عن الفئة التي لم تنتخبها، وثارت ضدَّها، والتي تتحكّم في الجماهير، وتُغرِّر بها، وتستغفلها، وتخدعها؛ لتظلَّ جاثمةً على صدرها؛ وإذ إنَّ المُبادَرة العمليّة لتعميق الاحترام المُتبادَل تقع في يد النخبة؛ لأنَّ الجماهير تظلُّ محكومةً بردود فعل مُمارَسة النخبة تجاهها، فإنَّ النخبة هي التي تتحمَّل أولاً وأخيراً نتيجة علاقتها بالجماهير..إنَّ الجماهير لا يُمكِن أن تحترم الذين يحتقرونها مهما كانت الانتصارات التي تحقّقت على أيديهم، ولكنَّ الحقيقة التاريخيّة تُؤكِّد أنَّ الذين يحتقرون الجماهير لا يُمكِن أن يحقِّقوا أيَّ انتصار حقيقيّ.. إنَّ الانتصارات الخادعة هي التي تكشف نوعيّة الأفراد في الخط النخبويّ، وتفرز السياسيّين الحقيقيّين من الانتهازيّين والمُتسلِّقين وذلك من خلال الموقف الذي يتخذه الفرد من الجماهير، ومن اتّجاه حركة الاحترام المُتبادَل معها..إنَّ قاعدة احترام الجماهير تُحتِّم على السياسيِّ أن يُعبِّر عن احترامه للجماهير بالمُمارَسات اليوميّة، فهو مُطالَبٌ باحترام تقاليد الجماهير، وعاداتها، والاستماع إلى آرائها، والأخذ بها..والسياسيُّ لا يفرض آراءه على الجماهير إذا ما تعارضت مع المفاهيم السائدة قبل أن يُمهِّد لها بعملٍ طويلٍ وشاقّ، والجماهير الحسَّاسة تجاه مُعتقَداتها وتراثها بحاجةٍ إلى سياسيّين يُدركون هذه الحسّاسيّة ودرجتها، ويُقيمون مع الجماهير علاقة من الاحترام العميق الذي يُسهِّل لهم مهمّاتهم السياسيّة مهما صعبت.
مقتطفات من كتاب قواعد السلوك السياسي .ص: 223



