اخر الأخبار

النبوّة والإمامة وقيادة الأمّة الإسلاميّة

1495

قال تعالى: ﴿ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُم عنه فَٱنتَهُواْ﴾..للنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مهامّ مختلفة، يختصُّ بها دون غيره، ولا تتعلّق إلّا به، وإذا ما انتقلت إلى الآخرين، فإنّما تصدر عنه إليهم، كما صدر بعضها بالفعل ولقد جمع النبي صلّى الله عليه وآل هذه المهامّ الثلاث بأمرٍ ربّاني، وهي:-
النبوّة والرسالة
يتجلّى دورها في تبليغ الأحكام الإلهيّة الّتي كان يتلقّاها عن طريق الوحي، فكان يُبلغ الناس بما يوحى إليه مكلّفاً بذلك بصفته رسولًا ونبيًّا,ومن الأحكام الّتي كان يتلقّاها ويؤمر بتبليغها: الصّلاة والصّوم والحجّ والزكاة وسائر المعاملات، وكلّ ما يتعلّق بالممارسات العباديّة وغيرها، مع العلم أنّ التعليم كان يرافق عمليّة التبليغ، وكان الناس في المقابل يشعرون بمسؤوليّتهم إزاء هذه المَهمّة النبويّة، فيأخذون عنه ما يلقي عليهم.
القضاء
مَهمّة القضاء..هي مَهمّة مقدّسة، أي أنّها يجب أن تصدر من قِبل الله جلّ شأنّه حتى يتيَسّر له أن يكون نبيًّا وهي منصب حسّاس ومُهمّ، لذلك ينبغي أن يفوّض من قِبل الله تعالى لأحد، حتى يتمكّن من الحكم بين الناس,فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن نبيًّا هاديًا فحسب، بل كان قاضيًا أيضًا، والمنصبان النبوّة والقضاء، يقبلان الفصل في حدّ ذاتهما، ومنصب القضاء منصب مقدّس، والقاضي ينبغي أن يُنَصَّب من قِبل الله تعالى.
الحكومة
مَهمّة فوّضها الله تعالى إلى نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وينبغي أن تكون الحكومة من قِبل الله جلّ شأنه حتّى تضمن شرعيّتها,فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حاكمًا على الناس، وكان سياسيًّا ورئيس دولة، ومسؤولًا عن المجتمع،فمنصب الحكومة وإدارة شؤون الأمّة هو غير منصب النبوّة، ومنصب القضاء، فكان يبيّن الأحكام، ويبلّغ الأوامر الصادرة عن الذات الإلهيّة المقدّسة بصفته نبيًّا، وكان ينظر في دعاوى الناس ومرافعاتهم بصفته قاضيًا، وكان يدير شؤون الأمّة السياسيّة والاجتماعيّة بصفته حاكمًا ورئيسًا.
الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهامّ الثلاث
يقول تعالى في محكم كتابه العزيز:﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمرِ مِنكُم﴾هذه الآية الكريمة تطالب الناس أن يتحلّوا بالانضباط والطّاعة المطلقة في مقابل الحاكم الربّاني، وأن ينفّذوا ما تُصدر السلطة من أوامر دون نقاش. ونحن الإماميّة نستفيد من هذه الآية المباركة بصفته دليلًا قاطعًا على أنّ ذكر:﴿ وَأُوْلِي ٱلأَمرِ ﴾ يرتبط بالخلافة. فالآية تتحدّث عن منصب الخلافة، وهذا منصب آخر، وهو منصب مقدّس كذينك المنصبَيْن اللّذَيْن كانا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتعيين الخليفة يتمّ بأمر من الله تعالى بشكل مباشر أو غير مباشر,وهنا يثار موضوعان..الأول..هل الله تعالى أمر نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين خليفة بعده، وتفويض تلك المهام له، أم لا؟ نعم، ولكن ليس بمعنى اقتضاء النبوّة للنيابة، ومجيء نبيّ آخر بعده؛ لأنّه خاتم الأنبياء، ولا نبيّ بعده، وبما أنّه مبيّن للأحكام، فلا بُدّ له من تعيين أحد يُبيّن الأحكام بعده مع الفارق من حيث إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلقّى الأحكام من الوحي بصورة مباشرة، أمّا الّذي يأتي بعده فيتلّقاها منه، ويبلّغها للناس، وهذه هي الإمامة، وهي منصب علميّ ومرجعيّة على جميع الأصعدة السياسيّة والاجتماعيّة والتربويّة والاقتصاديّة وغيرها..لذلك لا بدّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يعيّن شخصًا بعده للقضاء ورفع الخصومات حتّى ترفرف العدالة بأجنحتها على الناس، وتقصّ أجنحة الظلم والفوضى. لكنَّ هناك إختلافاً في هذه القضيّة بين الإماميّة وغيرهم من المسلمين؛ فعامّة المسلمين يرون أنّ الخليفة نفسه له الحقّ في ممارسة منصب القضاء، أو يعيّن قاضيًا. أمّا الإماميّة فيرون أنّ هذا المنصب هو من حقّ الإمام المعيّن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ الإمامة تعني الحكومة، والحكومة لا تسقط بموت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لحاجة الناس إليها بعده.
أمّا الموضوع الثاني..فيدور حول منصب النبوّة من حيث تفرّده عن منصبَيْ القضاء والحكومة، إذ هو منصب شخصي تعييني، أي لا يمكن أن يكون عامًّا مطلقًا. أمّا منصبا القضاء والحكومة فيمكن أن يكونا عامَّيْن، أعني بذلك: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يسعه توضيح منصب النبوّة، أو الإمامة بشكل عام، مثلًا أن يقول: كلّ من حاز على المؤهّلات الفلانيّة فهو نبيّ أو إمام، إذ ربما وجد بينهم مئة شخص كلّهم يحملون تلك المؤهلات، فهذا لا يمكن حدوثه أبدًا.
منصب القضاء في عصر الغيبة الكبرى
إنّ الشخصّ الّذي يبيّن الأحكام الإلهيّة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام، لكن قد انتهت مرحلة الإمامة وليس هناك من إمام يرجع إليه الناس، فماذا يفعلون إذًا؟ والجواب هو أنّ الإمام قد عيّن نائبًا عامًّا له حسبما ورد عن أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام ما نصّه «انظروا إلى من روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، فقد جعلته عليكم حاكمًا»وقد يأتي أحد فيدّعي أنّ من حقّه تعيين قيّم على القاصرين، وهذا نقول له: إنّ هذا المنصب مقدّس، والمنصب المقدّس ترتبط قدسيّته بالتنصيب الإلهي، وهذا التنصيب إمّا مباشر بتحديد شخص معيّن، أو غير مباشر من خلال ذكر الشرائط بشكل مجمل.إلى هنا لا مناقشة في هذا الموضوع من ناحية المبادئ الإسلامية، ولو ادّعى شخص أنّ له حقّ الإفتاء، وعلى الآخرين العمل بفتواه، فينبغي الالتفات قبل كلّ شيء إلى أنّ هذا المنصب منصب مقدّس، وأنّ كفاءة بيان الأحكام الإلهية هي مِنحة ربانيّة، منَّ الله بها على نبيّه الكريم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أوّلًا وتحوّلت من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإمام عليه السلام، ثمّ من الإمام إلى من توفّرت فيه الشرائط المطلوبة، فهل هذه الشرائط متوفّرة في الشخص المفتي أم لا؟ وهل هو في حدّ من الكفاءة والتأهيل بحيث يليق بهذا المنصب المقدّس أم لا؟ فلو كان كذلك، وانطبق عليه ما ورد عن المعصومين عليهم السلام بقولهم: «أمّا من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه تاركًا لهواه مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلّدوه». فهو مستحقّ لمنصب الإفتاء ومرجعيّة المسلمين، وإلّا فالموضوع هو من الموضوعات الّتي كان لها وجودها في التاريخ الإسلاميّ، ومنصب الإمامة والمرجعيّة العلميّة منصب خاصّ لا يُفوّض إلى كلّ أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى