سرفانتس والعالم الإسلامي


خوان غويتيسولو /ترجمة: أحمد عبد
أنهار من الحبر سالت في السنوات الأخيرة وهي تتناول أسر ثيربانتس في الجزائر، إذ وقع أسيراً للقراصنة الأتراك عقب مشاركته في معركة ليبانت ـ وقعت عام 1571 بين العثمانيين ودول أوروبية وانتهت بهزيمة العثمانيين ـ. وينصبُّ الاهتمام على سنوات خمس قضاها مسجوناً تركت بصمة قاطعة سواء على حياته أم أعماله. إن ما تعلمه هناك سيظل للأبد لغزاً: فالتكوين الإنساني، ثم الأدبي، نتاج تلك الخبرة سيتصبب على مدار إبداعه بداية من مسرحياته «التجارة في الجزائر» و»حمامات الجزائر»، التي بدأ بها طريقه كمسرحي فاشل، ونهاية بـ»بيرسيليس»، ومروراً بـ»روايات نموذجية» و»حديث الكلاب» و»الكيخوتيه». لقد سمحت استراتيجية ثيربانتس الغامضة والمعقدة في تلقي العالم الإسلامي، وهي استراتيجية تتسم برقة ملفتة ومبهرة لكل من يدرسها، بفتح الباب على كل نوع من التأويلات ـ وكثير منها بسيط ومثير للاهتمام ـ تتفق مع العديد من وجهات النظر الأيديولوجية بحسب المكان التي يقف فيه المؤول أو المحلل.
إن مدينة الجزائر التي عرفها كاتبنا الأول كانت النقيض التام لإسبانيا فليبي الثاني التفتيشية. وكما يذكّرنا ماركيث بييانويبا، فالمدينة كانت ترحب بالقادمين من أي مكان وأي دين وأي لغة: كانت تقاطُعَ طرق للإثنيات المختلفة والثقافات. وتعلُم هذه التعددية البشرية كان قاطعاً في تجلي تفكيره الموجّه للبحث عن مسيحية خالية من أحجار صلبة تفرضها إسبانيا الفليبية: أساطير قومية ودينية للشرف ونقاء الدم، سيطرة على عادات البشر وحيواتهم وتفكيرهم ممن سمّاهم ثيربانتس بـ»حراس العقيدة اليقظين».
وكما يلخص بييانويبا (في كتابه «المسلمون والموريسكيون والأتراك عند ثيربانتس»)، فإن ثيربانتس يمثّل، في ما يخص الإسلام، «حالة خاصة ليس من السهل توصيفها، إذ لم يكن أبداً ساخطاً على المسيحية ولا مرتداً عن دينه ولا مستعمراً ثقافياً. كما لم يقم أبداً بدور المحارب الصليبي ولا المتبني لأحكام التفتيش، وهو الدور المطلوب منه والذي كانت السلطة الرسمية في زمنه تنتظر أن يؤديه.. لقد كان مبهوراً بصورة الموريسكي كمسلم متخفٍ وكعاصٍ وكافر بالمسيحية، غير أنه هو نفسه لم يكن أبداً واحداً منهم. فكان تدينه موجهاً نحو تطهير ناقد مشيد أولًا على فلسفة إيراسموس وكانت نافذة الجزائر التاريخية تساوي بالنسبة إليه درسًا في النسبية». وبفضل تقييمه الموضوعي للثقافات الأخرى، مثل التنوع الثقافي الذي وصفه أنطونيو دي سوسا في كتابه «طبوغرافيا الجزائر وتاريخها العام» (1612)، استبدل ثيربانتس نبرة «نحن» الوطنية والدينية الحكيمة بنبرة «أنا» المتشككة التي تعجز حتى عن تمثيل نفسها.
لقد استطاع ماركيث بييانويبا بصرامة وحنكة نموذجيتين أن يتتبع مسار ثيربانتس، الممحو أحيانًا، بداية من عودته إلى إسبانيا، حيث لم يلقَ، كما نعرف، أي مكافأة مقابل خدماته واستحقاقه. لقد اضطر، حين لم يجد أي دعم أو مساعدة من أي نوع وبعد فشل محاولته الهجرة إلى إسبانيا الجديدة [أميركا اللاتينية]، أن ينغمس في العمل الإداري وعالم التجارة العشوائي الذي قضى فيه أغلب سنوات عمره، في إشبيلية أولاً ثم في بلد الوليد، حتى نشر الجزء الأول من «الكيخوتيه».
إن تتبع الخط السردي لتمثيل التركي والمسلم والموريسكي في عمل ثيربانتس يعد تدريبًا مجهدًا لكنه محفز. فلو كان التأثير الشرقي، خاصة ألف ليلة وليلة، أحد الثوابت في أدب شبه الجزيرة الآيبيرية منذ «الكونت لوكانور»، فبزوغ موضة الرواية البيزنطية بما فيها من خطف وقرصنة وعذارى ومقنّعين جنسيًا من الرجال والنساء، وهي شخصيات استغلها ثيربانتس في «العاشق المتحرر»، يبرهن لنا أن مؤلفنا كان يبحر في مياه يعرفها جيدًا. إن تلقيح كتاب الكتب لشهرزاد من خلال ما أسميه بـ»طُرُق الرياح»، يدين أي محاولة لتأسيس جينولوجيا محددة له. نعم كان ثيربانتس يجهل النصوص العربية، لكنه كان يعرف إلى حد كبير جدًا أن أغلب الحيل الروائية التي استخدمها في «الكيخوتيه» موجودة في ألف ليلة وليلة. وأرض الارتياب الثيربانتية ـ مؤلف أو مؤلفون «يكتبون حول المسألة»، مخطوطة السيد حميد بن علي، إنكار مؤلف الحبكة الروائية ـ هي أرض شهرزاد التي، من خلال عدد لا متناه من ناقلي الحكاية ومن دون أن يتوقفوا عن تشييدها وتقويضها، تحرث أرضًا جديدة: أرضًا، بكلمات المؤلف، تصنع من ثيربانتس «مركز جاذبية الحداثة الأدبية». والخيط الذي مده ستيرن وديدرو وفلوبير في «بوفار وبيكوشيه»، حتى لا نتحدث عن غوغول وتورغينيف وتشيخوف، كان اتصالًا وانقطاعًا مع ثيربانتس. إن التعمية على المؤلف، وهي عملية منظمة ومصنوعة بمهارة، تخلق ارتيابًا لدى القارئ في الصوت الذي يصغي إليه ويمنحه حرية التفكير في ما يشاء.
إن علاقة ثيربانتس بالفلسفة الإيراسمية، من خلال هوارت دي سان خوان وأرياس مونتانو ومعاصرين له مثل مارتين جونثالث دي سيوريجو وبدرو دي بالنثيا، يمكن تحليلها على ضوء التوافقات العقائدية مع من كانوا يرغبون في القضاء على «الشرف الأسود» الذي كان يعيق البلد ويحوله لمجتمع حجري من «الرجال المسحورين»، ليفتحوا طريقًا آخر يؤسس للعمل وقيمة الخدمة الصناعية والتجارة والعلوم والحرف والفنون، كما حدث في هولندا وألمانيا وفرنسا وانكلترا.
لقد ذهب سدى دفاع بدرو دي بالنثيا عن الموريسكيين، حينما كان يدعو لسياسة اندماج من خلال الزواج بين الموريسكيين والمسيحيين القدامى كحل بديل للطرد أيده الدوق دي ليرما والبطريرك ريبيرا، لكنه لم يقاوم الإجماع القومي من جانب بليدا وأثنار دي كاردونا. وكاستراتيجية معتادة في منح كلمته لمتحدثين يقتسم معهم أفكاره، وضع ثيربانتس على لسان «بيرجانثا» تقاليد المسيحيين القدامى في عمله «حديث الكلاب» في مواجهة تحفظات «ثيبيون» المتماهي معه.
لكن في الحدث الشهير للقاء سانتشو مع ابن بلده، الموريسكي ريكوتي، يتجلى بكل حدة ـ إن كان يمكن استخدام هذه الكلمة مع مؤلفنا «الغامض واللعبي ومتعدد الأوجه» ـ تفكير كان يفتح طريقًا في أوروبا منذ حكم الإعدام الشهير الذي أصدره كالبينو على ميجيل سيربيت وأدانه سيباستيان كاستليو: «قتل رجل للدفاع عن فكرة ليس دفاعًا عن فكرة، بل قتل لرجل»، إنه ميلاد أخلاقية فردية ستبلغ ذروتها مع إعلان حقوق الإنسان.
يقول ريكوتي: «خرجت من قريتنا ودخلت فرنسا، ورغم أنهم رحبوا بنا هناك، إلا أني كنت أريد رؤية كل شيء. عبرت لإيطاليا ووصلت إلى ألمانيا وهناك بدا لي أن من الممكن أن أعيش بحرية أكبر، لأن سكانها لا ينظرون إلى ضعفنا: كل امرئ يعيش كما يريد، لأن أغلبهم يعيشون بحرية ضمير».هذه العبارات القليلة تكشف أنه من بين المطرودين ثمة أقلية ـ وأكثرية في حالة ريكوتي ـ عانوا من الألم لترك أرض أجدادهم ولم يكونوا يبحثون عن أبناء دينهم القدامى، بل يبحثون عن الحياة في ظروف تحترم إنسانيتهم دون النظر في انتمائهم القومي أو الإثني أو الديني. ريكوتي هنا لم يتحدث كموريسكي ولا كمسيحي ولا كمسلم، بل يفعل ذلك كإنسان بات ضحية للظلم وللوحدة الأيديولوجية بتلك الفترة.سأشير قبل أن أختم هذه القراءة السريعة في كتاب ماركيث بييانويبا إلى حدث تزييف الجزء الثاني من الكيخوتيه، والذي تناوله ثيربانتس بعبقرية بعد أن كتب هو بنفسه الجزء الثاني ليدحض هذا الجزء المزيف. لقد انتقد ثيربانتس المدعو «ألبارو تارفي» الذي قام بهذه الفعلة، وأضاف بعدًا جديدًا للعمل الفني – ما يمكن أن نسميه كتابة على كتابة – إذ تحلى ثيربانتس بالأدب وهو يصف فعل التقليد بأنه «تكريم متناقض واعتراف بالعلو». لقد أعطى ثيربانتس درسًا جميلًا لهؤلاء الذين لا يحترمون معايير المؤسسة الأدبية في تلك المدة فيتحولون إلى أهداف للهجوم أو الإنكار. من دون حقد ولا مرارة، إنما، بعبارة ثيرنودا، «أشكال عليا للمديح» تحول السارقين إلى شخصيات تمثــل مديوكرية لا علاج منها.



