في ذكرى إستشهاده … قيادة الإمام جعفر الصادق «عليه السلام»


تحمّل الإمام الصادق (عليه السلام) مسؤولية مواصلة المسيرة في ظروف معقّدة وصعبة للغاية,فالانتفاضات تنشب في طول البلاد وعرضها، والولاة منهمكون بجمع الأموال والثروات الطائلة، والطاعون والقحط يضرب مناطق واسعة منها خراسان والعراق، والجهاز الحاكم يبطش دون رحمة، ويخلق حالة من الذل والخنوع بين الناس. والمنشغلون بالعلوم الإسلامية من فقه وحديث وتفسير لم يكن خطرهم غالباً يقلّ عن خطر الساسة والحكّام، وهم الذين يفترض بهم أن يكونوا ملاذ الناس وملجأهم، كثير من هؤلاء كانوا يدبّجون الفتاوى ليرضوا السلطان والولاة. وكثير منهم كانوا يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بتوافه الأمور، ويثيرون النزاعات الكلامية الفارغة التي لا تمتّ بصلة إلى الإسلام وإلى معاناة الجماهير,فمهمة الإمام الصادق (عليه السلام) في هذه الظروف المظلمة هي ما ذكرناه بشأن مهمة الإمامة، وتتلخص في طرح الفكر الإسلامي الصحيح، أي تبيين الإسلام كما جاء في القرآن وسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مع مكافحة كل الانحرافات والتشويهات الجاهلة والمغرضة، وكذلك التخطيط لإقامة نظام العدالة الإسلامية، وصيانة هذا النظام في حالة إقامته,فالمهمة الفكرية والمهمة السياسية، تشكّلان خطراً كبيراً على النظام الحاكم. ليست المهمة السياسية وحدها تثير سخط السلطة، فالمهمة الفكرية أيضاً تلغي تلك الأفكار والمفاهيم المنحرفة التي قدمها السلطان و وعّاظه باسم الدين إلى المجتمع,ومن هنا فإن العملية الفكرية لها الأولوية، لأنها تقضي على الزيف الديني الذي يستند إليه الجهاز الحاكم في مواصلة ظلمه,ومن جهة أخرى فإن الأوضاع السائدة مستعدة للفكر الشيعي الثوري، والحرب والفقر والاستبداد عوامل تغذّي روح الثورة، أضف إلى ذلك عامل الأجواء التي وفّرها نشاط الإمام الباقر (عليه السلام) في المناطق القريبة والنائية,فإن الاستراتيجية العامة للإمامة هي النهوض بثورة توحيدية علوية ومتطلّباتها هي..أولاً إيجاد تحمل فكر الإمامة وتهضمه، وتتطلع بشوق إلى تطبيقه..وثانياً إيجاد مجموعة منظّمة مجاهدة مضحّية,وهذه المتطلّبات تستلزم بدورها نشر الدعوة في جميع أرجاء العالم، وإعداد الأرضية النفسية لتقبّل الفكر الإسلامي الثائر في جميع الأقطار، وتستلزم أيضاً دعوة أخرى لإعداد افراد مضحّين متفانين يشكلون التنظيم السرّي للدعوة,وهذا هو سرّ صعوبة الدعوة على طريق الإمامة الحقّة, فالدعوة الرسالية التي تستهدف القضاء على الطاغوت، وعلى التفرعن والتجبّر والعدوان والظلم في المجتمع، وتلتزم بالمعايير الإسلامية، لا بدّ أن تستند إلى إرادة الجماهير وقوّتها وإيمانها ونضجها,وخلافاً لتلك الدعوات التي ترفع شعار محاربة الطغاة، وهي تمارس في الوقت نفسه أعمال الطغاة والظلمة في حركتها، دون أن تتقيّد بمبادئ أخلاقية واجتماعية,فمثل هذه الدعوات لا تواجه صعوبات الدعوات الرسالية الهادفة، وهذا هو سرّ عدم تحقق أهداف حركة الإمامة على المدى العاجل، وهو أيضاً سرّ الانتصار السريع للحركات الموازية لحركة الإمامة (مثل حركة العباسيين),فالظروف المساعدة والأرضية المناسبة التي وفّرها نشاط الإمام السابق ــ الباقر (عليه السلام) ــ أدّت إلى أن يظهر الإمام الصادق (عليه السلام) ــ في جوّ العذاب الطويل الذي عانى منه الشيعة ــ بمظهر الفجر الصادق الذي ينتظره
يركز هذا المفهوم,ومن مجموع ما تقدم نفهم ان الإمام الصادق (عليه السلام) كان في نظر أبيه وفي نظر الشيعة مظهر آمال الإمامة والتشيع وكأن سلسلة الإمامة قد ادّخرته ليجسد مساعي الإمام السجاد والإمام الباقر (عليهما السلام). كأنه هو الذي يجب أن يعيد بناء الحكومة العلوية والنظام التوحيدي، يجب أن ينهض نهضة إسلامية أخرى,ومنذ تسلم المسؤولية حتى الوفاة، قضى 33 عاماً في جهاد متواصل، وخلال هذه الأعوام كانت الظروف في مد وجزر، مرة تتجه لصالح مدرسة أهل البيت، ومرة أخرى تعاكسها، مرة تبعث على التفاؤل وعلى أن النصر قريب، ومرة أخرى تشتد الضغوط وتختنق الأنفاس، فيخيّل الى أصحاب الإمام أن كل الآمال قد تبدّدت. والإمام الصادق (عليه السلام) في كل هذه الأحوال ماسك بدفة القيادة بعزم وتصميم، يجتاز بالسفينة عبر هذه الأمواج المتلاطمة الممزوجة بالأمل واليأس، لا يفكر إلاّ بما يجب قطعه في المستقبل من أشواط، باعثاً الجد والنشاط والايمان في اتباعه للوصول الى ساحل النجاة,فدعوة الإمام الصادق (عليه السلام) وسائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كان يدور حول ((الإمامة)). ولإثبات هذه الحقيقة التاريخية، أمامنا روايات متضافرة تنقل بوضوح وصراحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) ادّعاءه الإمامة، أن الإمام حين يعلن دعوته هذه كان يرى نفسه في مرحلة من الجهاد تستدعي أن يرفض بشكل مباشر صريح حكّام زمانه، وأنه يعلن نفسه بأنه صاحب الحق الواقعي، وصاحب الولاية والإمامة. ومثل هذه التصّدي يعني عادة اجتياز سائر المراحل الجهادية السابقة بنجاح,ولابدّ أن يكون الوعي السياسي والاجتماعي قد انتشر في قاعدة واسعة، وأن الاستعداد محسوس بالقوة في كل مكان، وأن الأرضية الإيديولوجية قد توفرت في عدد ملحوظ من الأفراد، وأن جمعاً غفيراً آمن بضرورة إقامة حكومة الحق والعدل، وأن يكون القائد ــ أخيراً ــ قد اتخذ قراره الحاسم بشأن هذه المواجهة الساخنة. وبدون هذه المقدمات فإن إعلان إمامة شخص معين وقيادته الحقة للمجتمع أمر فيه تعجّل ولا جدوى منه,وهذا الموقف يشير إلى ارتباط جهاد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وتواصله من الأزمنة السابقة إلى عصر الإمام الصادق (عليه السلام). إن الإمام الصادق (عليه السلام) يقرر إمامته بعدّها النتيجة الحتمية المترتبة على إمامة أسلافه، وبذلك يبين جذور هذه الدعوة وعمقها في تاريخ الرسالة الإسلامية، وارتباطها بصاحب الدعوة الرسول الأكرم (عليه أفضل الصلاة والسلام).



