البعثولوجيا من الزمن الرديء الى الزمن الأغبر..!
منذ أمد ليس بقصير، ورجال الحكومة في الخارجية أو في رئاسة الوزراء، بل ومعظم أجهزة الدولة، ومعهم جمهرة كبيرة من الإعلاميين، وهم يتحدثون عن «عودة» العراق الى محيطه العربي، وأن الدبلوماسية العراقية، قد حققت نجاحات كبرى، على طريق»إستعادة» العراق لدوره الرائد؛ بين «أشقاءه» العرب..
الحقيقة أن جل تلك الأحاديث؛ قد وقعت في مفارقة ساذجة، وأن المقاربات كانت تنطوي على نوايا طيبة، مغلفة دائما بخطأ التوصيف، أو على الأقل قلة الخبرة في تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية.
أحسب أن بعض من نعنيهم في نصنا هذا؛ كان يخطأ عن حسن نية، لكن حسن النية في هذه الأيام قليل، والأدعى هو توخي سوء النية، وما قيل؛ من أن اليقين هو القاعدة والشك هو الاستثناء، كان في زمن غير أستثنائي،ولأننا الآن في زمن استثنائي، لذلك فإن الشك هو القاعدة واليقين هو الاستثناء.
خطأ التوصيف الذي نتحدث عنه؛ هو قول القائلين بأن العراق؛ قد عاد لأداء دوره الرائد في الأمة العربية، وأن العراق كان مغيبا منذ 1990، وهو قول ينطوي على مغالطة خبيثة، مؤداها أن العراق كان قبل عام 2003، أي في زمن الحقبة البعثية الصدامية، يؤدي دورا إيجابيا وفاعلا في محيطه العربي، وهو توصيف زائف لا يمثل الحقيقة في شيء، بل هو معاكس لها على طول الخط!
لا جدال أن العراق الآن فقط بدأ يأخذ دوره الريادي، الذي يتناسب مع عمقه الحضاري، أما قبلها، أي قبل عام 2003، ولغاية بداية تأسيس الجمهورية في عام 1958، وربما الى ما قبل هذه التاريخ، لم يكن ثمة دور إيجابي رائد وبناء للعراق، سواء في محيطه الأقليمي أو العربي، أما بالشأن الدولي فقد كان صفرا على اليسار.
الحقيقة أنه وطيلة حكم البعث؛ الذي أمتد من عام 1963 لغاية 2003، كانت حكومة العراق مباءة للتسلط والطغيان، والقمع والاستبداد لشعبه، وكانت مصدر قلق وإيذاء، ومتاعب وتآمر، للأمة العربية والمحيط الأقليمي.
في تلك السنوات العجاف؛ كانت حكومة العراق ونظام القمع ألصدامي؛ الذي هي الوجه الرسمي للعراق، ملاذا وموطنا ومستقرا، لأشباهه ومريديه وأتباعه، من عشاق الاستبداد ومروجيه، والمتغنين بقامته المديدة، من المتحلقين حول الموائد المجانية.
الموضوع بهذا الشكل، يمثل مقدمة «أستثنائية» في زمن أستثنائي، لإنعاش آمال هؤلاء بموائد مجانية جديدة، ومراتع يحلبون العراق فيها مجددا، كما حلبوه طيلة قرابة قرن من الزمان..!
كلام قبل السلام: الحديث المعاد تكرارا ومرارا، عن «عودة العراق» لأداء دوره المحوري في المنطقة العربية، ووفقا لهذه المغالطة الفجة الخبيثة، يمثل نتيجة طبيعية لثقافة 40 عاما من البعثولوجيا، التي مازالت تعشش؛ في رؤوس كثير من بقايا ذلك الزمن الرديء، الذين أوروثوها الى أبنائهم، وتسللت مع الأسف الى ساسة زمننا الأغبر..!
سلام..
قاسم العجرش



