المساجد بيوت الله تعالى


إنّ المساجد بيوت الله ومهابط رحمته، فيها يُعبد وفيها يُذكر اسمه، وزوّاره فيها عُمَّارُها، فهي ملتقى المؤمنين من عباده وصفوته، وهي أحبُّ البقاع إلى الله تعالى، ومنارات الهدى وأعلام الدين، ومنطلق إعلان التوحيد لله سبحانه، وقلاع الإيمان كما أنّها مجالس للذكر، ومحراب للعبادة، ومواضع تسبيح وابتهال وتذلّل بين يدي الله سبحانه، ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير، ومقام تهجّد وترتيل لكتاب الله وحفظ له، وغوص وراء معانيه، والناس يتعلَّمون فيها مبادئ دينهم وتعاليمه. بل هي أول المؤسسات التي إنطلق منها شعاع العلم والمعرفة في الإسلام، وهي ميدان الشورى والتعارف والتآلف، والموئل الإيمانيّ الّذي تطمئنّ القلوب المؤمنة بارتياده، وتسكن النفوس النقيّة في كنفه,ويكفي المساجد شرفاً ومنزلة أنّ الله سبحانه وتعالى أضافها إلى ذاته العليّة، ونسبها إليه،فتعلّقت قلوب المحبّين لله عزّ و جلّ بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهار ذكره فيها هذا مع أنّ جميع البقاع وما فيها ملك لله تعالى، ولكن المساجد لها زيادة مزيّة وشرف حيث تختصّ بالعبادات والطاعات والقربات، فإضافتها إلى الله تعالى تقتضي احترامها، واعتراف المسلمين بفضلها، فهي من خصائصهم، وفي فضلها وعظيم منزلتها ورد الكثير من النصوص الشريفة، فقد أولى القرآن الكريم للمساجد عناية كبيرة، ومن وجوه شتّى حيث تكرّر ذكر المسجد أو المساجد، والمسجد الحرام، ولفظ البيوت التي أذن الله أن تُرفع في ثمانٍ وعشرين آية من كتاب الله,وقال مولانا الإمام علي بن الحُسين عليهما السلام في جوابه لولده زيد الشهيد: «يا بني: المساجد بيوت الله، فمن سعى إليها، فقد سعى إلى الله، وقَصَدَ إليه، والمصلّي ما دام في صلاته، فهو واقف بين يدي الله جلّ جلالـه، وإنّ لله تعالى بقاعاً في سماواته، فمن عُرج به إلى بقعة منها، فقد عُرج به إليه ألا تسمع الله عزّ و جلّ يقول: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾..وبعد الهجرة النبويّة المباركة على مهاجرها الكريم وأهل بيته أفضل الصلاة وأزكى السلام كان المسجد أوّل المؤسّسات التي انطلق منها نور التوحيد وضياء العلم والمعرفة إلى الآفاق، وقد حمل المسجد خاصيّة عظيمة بالنسبة للمجتمع المسلم، وأضحى مصدراً أساساً لإنطلاقة الدعوة الإسلامية، ونبعاً للهداية الربّانية، فمِنْ على منبره يُعلّم الإيمان والعمل الصالح، وعلى أرضه الطاهرة تؤدّى العبادات والطاعات، ومن على دكّة قضائه يُحكم بالعدل ويُدفع الظلم، ويُصلح الفاسد، ويُحارب المنكر، وهو ميدان الشورى والتعارف والتآلف، والمرتكز الذي تسير منه قوافل المجاهدين المخلصين في سبيل الله، والمحور الذي تلتفّ حوله الأفكار والعواطف، والحضن الذي يُربّي الروّاد النجباء الذين يحملون مشاعل النور والهداية، ويطوفون بها البلاد حاملين صفات المسجد، وعبقه وطهره.ولقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أنّ منه انبعثتْ أشعّة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت، وهل كان عظماء التاريخ الإسلامي – كسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد الكندي، وعمّار بن ياسر العبسي، وبلال الحبشي، وعلي الهاشمي القرشي – إلا تلامذة المدرسة المحمّدية التي كان مقرها المسجد النبوي الشريف.
فقد ظلّ المسجد على امتداد تاريخ أهل الإسلام مؤسسة تعليميّة للصغار والكبار، وأوّل الأمكنة التي تُحقّق الأهداف العملية لتربية الناس عامّة والناشئة والشباب خاصّة، فالمساجد متعدّدة الأغراض متشعّبة المهام، وكان الرجال الأوائل الذين حملوا اللواء ولبّوا النداء إلى عزّ الأبد هم أشبال المساجد وعمّار بيوت الله تعالى، كذلك كان العلماء والفقهاء، والأدباء والبلغاء، والأتقياء والصلحاء من أفضل خرّيجيها، فكم نَوّرتْ المساجد قلوباً وعَمّرتْ أفئدة وأزالتْ عنها حميّة الجاهلية وغبش المعاصي، وانتزعتْ منها جذور الزيغ والضلال، وجعل منها بحول الله تعالى وقوّته أجيالاً مؤمنة تقية نقية، فائزة في الآخرة بضمان الملك الديّان، فنعم البيوت المساجد، فهي أنوار الله، ومجالس الأنبياء عليهم السلام، وبيت كلّ مؤمن..وهي بيوت الله في الأرض، فمن أتاها متطهّراً طهّره الله من ذنوبه، وكُتب من زوّاره، فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء.إنّ أحبّ الخلائق إلى الله عزّ و جلّ الشاب حدث السنّ الذي جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته، وذلك الّذي يُباهي الله به ملائكته الكرام، والشابّ المتعبّد هو من السبعة الذين ذكرهم الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه… وشابّ نشأ في عبادة الله. وإنّ أهل الجنّة شباب كلّهم، وإنّ أصحاب الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف شباب أيضاً..فمن هنا كانت المساجد تدعو الشباب إليها، فَهُم باكورة الحياة، وصدى العيش، وسنام المجد، ومصدر الحركة والعمل، لم تُلوّث قلوبهم حبائلُ الشياطين، ولم تفتنهمُ الدنيا بغرورها، ولم تُعمِ أبصارهم بزخارفها. وشيئان لا يُعرف قدرهما إلّا من بعد فقدهما: الشباب والعافية.وممّا تقدّم يتوضّح لنا تماماً أنّ مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي تجعله مصدر التوجيه الفكري والروحي، فهو جامعة للعلم، ومدرسة للرشد وندوة للأدب، وهو ساحة للعبادة التي تنصهر فيها النفوس، وتتجرّد من علائق الدنيا وفوارق الرتب والمناصب، وحواجز العُجب والكبر، وسكرة الأهواء والشهوات لتتلاقى في ساحة العبودية والإخلاص للباري جلّ شأنه.لذلك يجب أن يكون المسجد مكاناً للوحدة لا للفرقة، ومركزاً للعبادة الخالصة لله، ويكون بنيانه من الأساس على التقوى، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.



