اخر الأخبار

الإسلام دين التقارب والتواصل‏

إن المراجع لمصادر الإسلام،من خلال القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة ، يرى بكلّ‏ِ وضوح وجلاء،حقيقة وهي أن كثيراً من وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) تدعو إلى إزالة الحجب القائمة بين الأشخاص، بين الإنسان وأخيه الإنسان,فالإسلام لم يأتِ لهدمِ الإنسانية،إنما جاء بهدف هدم الحواجز التي يمكن أن تفصل الإنسان عن أخيه في الإنسانية،أو أخيه في الإيمان،مثل العصبيات بسائر أقسامها وأسمائها،والكبر والغرور والحقد والحسد وسوء الظن..هذه القائمة الطويلة السوداء من الصفات السيئة التي جاء الإسلام للقضاء عليها واجتثاثها من جذورها.وقد تتعجب من قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):»إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»،ولكن المجتمع الذي لا أخلاق له، والذي يفصل بين أبنائه الحسد والبغضاء والكبر،ولا يثق المرء بأخيه،والذي لا يقوم على قاعدة الحب والإخلاص والصفاء،هذا المجتمع لا يمكن أن يرتقي أو يبني حضارة،إن مجتمع التقاطع والحقد والحسد والبغضاء ليس مجتمعاً إسلامياً وإن سُمّي كذلك..إذن فالإسلام يدعو إلى مجتمع المحبة والتواصل والتعاون والإخاء والتكافل ، مجتمع ليس فيه الحواجز النفسية والاجتماعية بين أبنائه، متشابك داخلياً،وآنئذ يستطيع هذا المجتمع أن يكون مصداقاً لقوله تعالى:»وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا».وأن يكون كما قال تعالى:»وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».وأن يكون كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):»مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعت سائر الأعضاء بالسهر والحمى».فإذا ما تكاتف المجتمع داخلياً،وأمِن من داخله،فحينئذ من السهولة أن ينتصر على أعدائه،أما إذا كان المجتمع مقاطعاً بعضه بعضاً،فحينئذ على هذا المجتمع السلام،ولن يستطيع أن ينتصر على أعدائه.وخير مثال على ذلك ما نعيشه وتعيشه المنطقة اليوم جراء لهاث السعودية وحكام الخليج ومصر والأردن من الأعراب وراء الدنيا حفاظاً على كراسيهم ومناصبهم على رأس الشعوب حتى لو تحالفوا مع الشيطان الأكبر والشر الأكبر المتمثل بأمريكا وإسرائيل وقوى الاستكبار الأخرى وحتى لو أدخلوا المنطقة في رحى حرب يقاتل فيها المسلم أخاه المسلم بحجة أنه كافر ومرتد ويعبد القبور..من التهم العارية عن الصحة والمفتقدة للدليل.وهذا بسبب حيادة الأمة عن جادة الصواب وتفرقها عن كلمة الحق وعودة كل قوم إلى مرجعية دينية لهم ـ وإن كانت لا تعلم من الدين إلا قشوره أو مرتبطة بأجندات بعيدة عن الإسلام ـ وانقسامهم إلى أكثر من سبعين فرقة كما يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):»تنقسم أمتي من بعدي إلى بضع وسبعين شعبة كلها في النار إلا واحدة». ولو أمعنا النظر جيداً لوجدنا أن الأمة الواحدة هي التي تمسك بأهل البيت (عليهم السلام) وتأخذهم قدوة وأسوة وفي ذات الوقت تنفتح على الآخر وتحاوره وتناقشه بطريقة حضارية وعلمية حتى تخرج الحقيقة وتبان للجميع وهذا المنهج بطبيعة الحال يكون محارباً من الاستكبار لأنه يوضح الحقائق بطريقة سهلة لا تنفّر الآخرين متبعاً قوله تعالى:»ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..»سورة النحل،الآية 125..ولذلك تجد كل قوى الاستكبار تقف بالضد منه وتحاربه لأنه سيوحد الأمة ويعرفها أعداءها الحقيقيين ولا يصنع لها أعداءاً وهميين ،فبينما يحارب محور الممانعة على سبيل المثال أمريكا وحلفاءها من ذيول الاستكبار في المنطقة ويدعم كل حركات المقاومة ضد إسرائيل،تصنع السعودية عدواً وهمياً إسمه الصفويون والروافض وتجعل المسلمين يقتتلون فيما بينهم ولمصلحة من؟،لمصلحة أمريكا وإسرائيل.والتاريخ مليء بالأحداث التي تدل على أن الشعوب تتقدم عندما تتوحد،لكنها تتراجع عندما تتقاطع.وتاريخنا الإسلامي بالخصوص،يؤكِّد لنا هذه الحقيقة.فإذا أراد المسلمون الرجوع إلى ميدان قيادة الأمم فما عليهم إلا أن يتواصلوا ويتكاتفوا.وهذا التواصل ينبغي أن يبدأ في الأسرة والعائلة،أي بين الأرحام،ليكون البيت الداخلي آمناً،ومن ثمّ‏َ ينجرّالكلام إلى الوحدة والتواصل الاجتماعي الإسلامي بشكل عام والإنساني بشكل أعم,ولو جئنا للعبادات الإسلامية التي ظاهرها الفردية،فإنّها تضمنت أيضاً معاني اجتماعية،خذ مثالاً الصلاة:فعندما يصلي الإنسان المسلم بمفرده،هل يعني ذلك أن هذه الصلاة هي صلاة فردية؟،لا،لأن الصلاة وإن كانت إقامتها بصورة فردية أحياناً إلا أن مضمونها اجتماعي.فضلاً عن أن الإسلام حثّ على إقامة الصلاة جماعة وفي المسجد،وهذا يشير إلى أهميّة التحرك والنشاط الاجتماعي التواصلي في الإسلام الحكيم.وهكذا عبادة الحج،فالحج عبادة جماعية رغم أطارها الداخلي الفردي،فمنذ انطلاق الإنسان من بلده إلى عودته من الحج ترافقه المعاني الاجتماعية،والإشارات التواصلية.
إذا عرفنا منهجية الإسلام في العلاقة مع الآخر،وكونه اجتماعياً،فلنعرِّج بنظرنا صوب الغرب لنرى كيف يعيش الغرب من هذه الناحية.وبمراجعة دقيقة للمجتمع الغربي ولعلاقاته ولأواصر الأسرة سيتبين لنا أن مجتمعات أوربا خاصة وحتى أمريكا وإن بشكل أقل تكاد لا تنمو نمواً بشرياً لأن نسبة الكهول فيها عالية ونسبة العزوف عن الزواج فيها مرتفعة فهي تعيش حالة من الفردية والأنانية لا تفهم إلا من خلال مصالحها الضيقة،والفرد فيها مكلّف بتحسين حاله بمفرده،وليس مسؤولاً عن الآخرين،وبالنتيجة فإن قيمه ومصالحه متعلقة به،ولا يخدم بها بني الإنسان،مهما بعد منه أو قرب،حتى ولو كان ابنه من صلبه أحياناً،ولا تعدو أن تكون القيم والمصالح آلة اقتصادية مثلها مثل بقية الآلات،لا دخل لمعنى الإنسان أو الإنسانية ومصيره فيها بشي‏ء.والمؤسف المبكي أن روحيّة الغربيين قد غزتنا وأصبحت هويّة لكثير من المسلمين ممن تركوا أصالتهم وروحيتهم الاجتماعية والتواصلية لمهب الريح الغربية الفاسدة،فالهجوم الثقافي شرس وواسع النطاق ينبغي معه على كل مسلم التمسك بالدين الإسلامي،والأخلاق ،وصون الهوية الثقافية الإسلامية الأصيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى