المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


الجزء الرابع
زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.يوسف المميّز
على الرغم من صغر عمري، إذ كنت بعمر العاشرة حين وُلد أخي (يوسف المميّز)، إلاّ أنني شعرت بأنّه مختلف عن الآخرين.حملته بين يدي حين خاف الجميع من حمله. أخواني الأربعة لم يستوعبوا الأمر. ربما لأن أكبرهم لم يبلغ التاسعة حينها وأصغرهم كان بعمر السنتين. أتذكّر حينها كانوا في أزقة الحارة يلعبون كرة القدم، فهم الأطفال الوحيدون الذين يملكون طابة حقيقية، ليس كباقي الأولاد يلفون شرائط من قماش على هيأة طابة. جدي الميسور الحال كان كريماً جداً مع أحفاده. كلّ ما يطلبه أخواني يلبيه من دون تردد، لذلك هم ملوك الحي الأكثر شعبية والأوسع شهرة بين أقرانهم في لعبة كرة القدم. أهلي كانوا معدومين إلّا أن ما كان يغدقه جدّي على الصبية كان يجعلهم يبدون الأكثر ثراءً في الحي.
ذلك اليوم بَدوْتُ منهَكَة من التلصّص على غرفة والدتي وهي تضع مولودها وحولها القابلة القانونية وجدّتي وعمّة والدي التي كانت بمثابة والدته. فهي أشرفت على تربيته عندما توفيت والدته حين كان بعمر الخامسة. لا أذكر أنّني أحببْتها. فهي قاسية تماماً كوالدي منتقدة لاذعة متهكّمة دوماً. ربما ورث والدي منها هذه القسوة. كانت عانساً ليس لأنّها لم تكن جميلة أو أن أحداً لم يتقدّم لخطبتها ـ عمّة والدي جميلة جداً على الرغم من أنّها تجاوزت الخمسين ـ ولكن عجرفتها وسوء أخلاقها أبعدت عنها العرسان. اهتمامها بتربية والدي بعد وفاة جدّتي جعلها لا تأبه لأمر الزواج، فهي تملك المال والجمال ورزقها الله طفلاً تعتني به وهي بعمر السابعة عشرة. صار والدي مدلّلها الوحيد. تحضر كلّ ولادات أمي لتعطي نصائحها وأوامرها ولتُفرح قلب جدي حين تبشّره بالذّكَر ولِيُفرح هو قلبها بمبلغ من المال بالمقابل.
كالعادة، كانوا يخرجونني من الغرفة، حين يبدأ الطلق يباغت والدتي، ولكن كان لدي مكاني المخصّص لأراقب ما يحدث من الفجوة التي تطل على غرفة أمي. باستطاعتي رؤية الكثير من خلالها. غرفتي الصغيرة الضيقة التي تصدّق بها والدي عليّ كانت مهمَلة جداً فيها من الفجوات والنتوءات والتشققات بعدد شعر والدي. أخصّ شعر والدي لأنّ صلعته كانت تغطي نصف رأسه. يضحكني منظر رأسه الفارغ من الوسط والمسيّج ببعض الشعر. جلست القرفصاء بين الخزانة والحائط، حيث لا يراني أحد وصرت أراقب وجه عمّة والدي وجدّتي المكفهرة العابسة، تقاسيم وملامح تدل على حزن. قبل هذا الحزن الذي اعتراهما لفت انتباهي وأحزنني المكان الذي وُلِد منه أخي. استنتجت أنّ الأمهات يفقدن الرغبة بالحياة في الكبر، لأنهن يعلمن أن مكان الولادة هو الأكثر قرفاً. أعتقد أنّ الأطفال يتلصّصون من هذا الثقب على الحياة وهمّها، لذلك يرفضون الخروج إلّا بشق الأنفس. هم يقاومون ويفضلون البقاء حيث هم والأمهات يعانين من الشدّ لإخراجهم. إنها لحظة رفض وإجبار ترافقنا هذه اللحظة طوال حياتنا، يجبرنا الأهل على أمور كثيرة فنرفضها. ممتدة هذه اللحظة منذ ولِادتنا لحين موتنا. ذلك اليوم علمت أن أمامي الكثير لأتعلّمه عن الزواج والأمومة، لذلك زاد حبي للتلصّص أكثر فأكثر.
ذلك اليوم كانت الغرفة تتنفّس بصعوبة، وينتاب الجدران وجع، والسرير يحمل شهقات الموت. لذلك لم أطأ غرفة والدتي من بعدها أبداً. مسكونة غرف الأهل بأشباح وأسرار. صعب على فتاة بعمري أن تتحمّل كلّ هذا الغموض. أتذكّر أني هرولت إلى الشرفة لأخبر أخواني بقدوم صبي جديد للعائلة. صرت أهتف باسم كلّ واحد منهم. تعمّدت فعل ذلك لأذكّر الجيران بأنّ أمّي لديها من الذكور الكثير وأنّ جدّي سوف يحقق لأمي ما تريد. هي منبع لاستمرارية بقاء هذه العائلة المنقرضة «ماهر.. حسن.. عبد الله.. رامي جاء أخوكم الخامس». نظروا لي حينها لبرهة ثم تابعوا لعبهم بالطابة، كأن الأمر لا يعنيهم. حملتُ أخي الصغير بين يديّ. ملاك ينظر بعينيه نحوي كمن يستجدي العطف، عيناه الغريبتان، أنفه الأفطس ورقبته الغليظة لم تكن تشبه ما تعوّدت على رؤيته سابقاً حين كانت أمي تضع مولودها. الكلّ مشغول عن هذا الطفل. جدتي وعمّة والدي وأمّي، حتى والدي حين أتى سحبته الجدة من يده وأخذته لغرفة أخرى مقفلة حيث تجلس أمّي هناك والدمع يملأ عينيها ويبلّل خدّيها ويداها مشبوكتان إحداهما بالأخرى. كنت أراها حين يُفتَح الباب ويُغلَق. بقيت ذلك اليوم بجانب الطفل المميّز. عشقت النظر لعينيه. اعتراني شعور بالحب والحنان تجاه هذا الكائن الوديع الحزين. خرجت أمّي من الغرفة المقفلة وأسرعت لتحتضن أخي. سألتها «أي اسم سنطلق عليه»؟ وضعت يدها الناعمة المرتجفة على رأسي ومسحت بكلّ حنان خصلات شعري الأسود الناعم المنسدلة على جبيني وقالت «رحيل هذه المرة ستسمّي الصغير». كانت فرحتي لا توصف. أخيراً سيكون لي أخ أختار له الاسم لأول مرة. «ماما مَن الذي أطلق اسم رحيل عليّ»؟ ردّت بحنان وهي تحاول إرضاع أخي من ثديها، محاولة أن تداري ما ظهر من صدرها كي لا أرى أو ربما كي لا أبدأ بأسئلتي التي لا تنتهي مثل (كيف يأتي الحليب لأثداء الأمهات؟ ولماذا لا يأكل أخي مثلنا؟ لماذا يولد الجنين باظفار وليس في فمه أسنان)؟ وغيرها من أسئلتي الفضولية التي تعوّدت والدتي عليها. «أنا التي اخترت هذا الاسم. أردتكِ أن تحملي اسماً مميزاً لا يُسمّى به أحد ممن نعرفهم. أعشق الأسماء التي لا يحملها الآخرون فهي بصمتنا الخاصة في الحياة». وضعت يدي على رأس أخي الصغير الذي راح يرضع من ثدي أمّي بكلّ هدوء. ملامحه ملائكية تبهر القلب»سأسميه يوسف الجميل المميز لأنني لن أجد مَن هو أجمل منه وأكثر تميّزا». أمي أصرّت على إرضاع أخي رضاعة طبيعية، لم ترغب بإحضار حليب مجفّف وقنينة رغم أنّ الجميع أخبرها أن طفلاً بحالته يعجز عن أخذ الحليب من الثدي لرخاوة عضلات فمه واختلاف تركيبة الفم لديه. رفضت هذه الفكرة، قالت: «المميّز أحق بحليب صدري من غيره. لو قدّر لي أن أقتلع ثديي وأهبه إياه فلن أتوانى». أمضت وقتاً طويلاً تعلّم يوسف كيفية الرضاعة. تبكي لحاله حيناً وأحياناً تغني له لتخفف من حدّة صراخه. عانت الكثير وصبرت أسابيع. صرت خلالها أذرف الدمع كما والدتي وأدعو الله أن يعين أخي ويحقق أمنيتها ويخفف عن كاهلها ذاك الوجع والحزن. لم تكن سعادتي توصَف حين ضحكت أمي ذلك الصباح وقالت «يؤبر قلبي صار يعرف يرضع». أسرعت إليه وحضنته شاكرة الله لأنه أفرح أمي، ولأنها انتصرت على من استهزأ بها وبأخي.
لكن ما أحزنني في ذلك الوقت نفور الجميع من أمي وأخي، فالجارات لم يأتين ليهنئنها بالسلامة وبمولودها الجديد كما تجري العادات دوماً،حتى أنّ أبي وجدّي لم يحضرا ضيافة المولود كما اعتادا حين أنجبت أمي أخواني الأربعة. كأن في بيتنا مأتماً، في عيون الجميع تعزية وحزن وامتعاض، والدي لم يقترب من أخي إلّا مرة واحدة قال خلالها كلمة أبكتني «لشو عيشتو». زاد ابتعاد والدي عن البيت ونفوره من أمّي. كنا نراه مرّة كلّ أسبوعين يأتي ليتصدّق على والدتي ببعض المال. لولا جدتي حينها وكرمها على أمي مما تحضره من خيرات الأرض من القرية أسبوعياً كنا نمضي أياماً وأسابيع نأكل ما تيسر من بقايا الطعام الموجود في المنزل فقط. بقيت أمي سنة كاملة مهجورة من الجارات والأقارب إلاّ ما ندر. أمضت تلك المدة تقرأ كتباً عن الأطفال المختلفين المميّزين وتتابع البرامج التثقيفية التربويّة على التلفاز علّها تجد أمراً يختص بحالة أخي. عانت كثيراً بتربيته فهو كثير المرض يُصاب مراراً وتكراراً بالالتهابات الصدرية. كما أنه عانى من عوارض تضخّم القلب. تأخر ليمشي، وأخذ وقتاً طويلاً لينطق بكلام مفهوم. ثم بدأت تظهر لديه عوارض الشراهة في تناول الطعام، لكن استطاعت أمي السيطرة عليها ووضعت له نظاماً غذائياً لعلمها أنّ من يعاني من التثلت الصبغي واحد وعشرين يصابون بالسمنة المفرطة. كثيراً ما لمحتُ الأرهاق بادياً على وجهها، ولكن بسمتها لم تفارقها أبداً. لم تجد من يساعدها. الجميع ابتعد عنها تلك الفترة. أنا الوحيدة التي حاولت جاهدة أن أمدّ يد العون لها. طفل بحالة أخي يوسف يجعل تعب الأمومة مضاعفاً.



