اخر الأخبار

الصلاة من أبعاد مختلفة

3856

في البداية: لا بدّ من الإشارة ولو قليلاً, إلى الهدف من خلق الإنسان ، الذي يُعدّ من الخطوط الأساسية في الرؤية الكونيّة للإسلام. فكون الإنسان مخلوقاً والاعتقاد بأنّ هناك قدرة حكيمة أوجدته ، يستلزم أن يكون لخلقه وإيجاده هدف ومقصد. يمكن أن نعدّ هذا الهدف بأنه “سلوك طريق للوصول إلى محطّة”، المسير في طريق بناءً لمخطّط دقيق وبوسائل محدّدة للوصول – في النهاية – إلى تلك المحطّة وذلك المنزل ، وفي هذه الصورة لا بدّ لنا من معرفة الطريق المنتهي إلى تلك الغاية، وتحديد المسير وجعل الهدف دوماً نصب أعيننا ، لنتمكن من بلوغ تلك النتيجة المنشودة. إنّ الذي يضع قدمه على الطريق ، عليه أن يتحرّك بنحو مستقيم، ملتفتاً دائماً إلى الهدف ، لا تشغله الطرق المنحرفة والتحرّكات العبثيّة. ولأجل الاستمرار في الحركة والحفاظ على الاتجاه الصحيح، عليه أن لا يعصي أوامر القائد والمرشد (الرسول) الذي عُيّن له. وذلك الهدف هو رفعة الإنسان وتكامله اللّامتناهي، والعودة إلى الله، وظهور الخصال الحسنة فيه، وطاقاته وقابليّاته النهائيّة، وتوظيفها بأجمعها في طريق الخير وإصلاح النفس والعالم والناس. على الإنسان، إذاً، أن يعرف الله، وأن يسلك الطريق الذي حدّده الله لتساميه، من دون أي تردّد أو تباطؤ أو ضعف. إنّ القيام بالأعمال التي تقرّبه من هدفه، واجتناب الأعمال العبثيّة والباطلة أو المضرّة هو ما يعطي لحياة الإنسان معنىً (وقيمة) ويقوده إلى الطريق الذي يعدّ المسير فيه بمثابة فلسفة وجوده , وفي غير هذه الحالة لا معنى للحياة ولا نتيجة لها. وبعبارة أخرى: إنّ الحياة مدرسة ومختبر لا بدّ أن نطبّق فيها جميع القوانين والقواعد والسُّنن التي أوجدها خالق العالم والحياة ، للوصول إلى نتيجة عالية ومرضية. هذه القوانين التي هي سُنن الله وقوانين الخلق، يجب معرفتها وصياغة حياتنا وفقاً لها، ولا بدّ أيضاً من معرفة النفس واستكشاف ذخائرها واحتياجاتها. هذا هو تكليف الإنسان وواجبه العظيم. هذا التكليف الذي بمجرد أدائه يكون الإنسان قادراً على التحرّك الواعي والناجح. وبدونه، فهو إمّا عديم الحركة (خامل) أو متحرّك بدون وعي, وقهراً، لن يحالفه التوفيق. والدين الذي يحدّد الهدف والاتجاه والطريق والوسيلة، يمنح الإنسان أيضاً القدرة والزاد الضروريّ لقطع الطريق. وإنّ أهمّ زاد يحمله سالكو هذا الطريق في متاعهم هو ذكر الله، وإنّ روحيّة الطلب والرجاء والاطمئنان – وهي الأجنحة المقتدرة في هذا التحليق- إنّما تتفرّع وتتولّد من ذكر الله. فذكر الله من جهة, يجعل الهدف وهو الاتصال به تعالى – أي بالكمال اللّامتناهي والخير المطلق – نصب العين دوماً، ويَحوْل دون فقدان الاتجاه، ويجعل السالك حسّاساً وحذراً إزاء الطريق والوسيلة؛ ومن جهة أخرى، يمنحه قوّة القلب والاطمئنان والنشاط، ويحفظه من الانزلاق والانخداع بالمظاهر الخلاّبة، أو الخوف من المكروهات و المنغّصات. إنّ المجتمع الإسلاميّ وكلّ مجموعة مسلمة أو فرد مسلم، يمكنه أن يخطو في الطريق الذي حدده الإسلام ودعا إليه جميع الأنبياء، باستقامة ودون توقّف أو تراجع إذا لم ينس الله. ومن هنا، يسعى الدين إلى إحياء ذكر الله في قلوب المتديّنين بشكل دائم بطرق ووسائل مختلفة. ومن الأعمال المفعمة بالدوافع لذكر الله، والتي يمكن أن تجعل الإنسان مستغرقاً بذكره تعالى وتكون موقظة له، وتكون شاخصاً وعلامة ترشد السائرين في طريق الله إلى الصراط المستقيم، وتحفظهم من الضياع والانحراف، وتمنع من وقوع لحظة الغفلة في حياة الإنسان، هي الصلاة. في غمرة انشغالات الإنسان الذهنيّة، يندر أن يلتفت إلى نفسه، وإلى هدفه في الحياة، أو أن يفكّر بمضيّ اللّحظات والساعات والأيّام. وما أكثر الأيام التي تترك مكانها للّيل وللأيّام الأخرى التي تسرع من جديد! وما أكثر الأسابيع والأشهر التي تمضي دون أن يلتفت الإنسان إلى بدايتها ونهايتها، ولا يشعر بمضيّ الحياة ومعناها أو فراغها! الصلاة جرس منبّه، ومنذر في مختلف ساعات اللَّيل والنهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى