اخر الأخبار

الأسباب والمناشئ الداخلية للذنوب

3724

لكي نستطيع التعرُّف على أسباب الابتلاء بالذّنوب والوقوع بها، ينبغي التنبّه إلى أنَّ هناك أسباباً داخليةً للذنب، وأخرى خارجيةً، ولكلّ واحدٍ من هذه الأسباب عوامل متعدِّدة تؤثِّر بها.على أنّ هناك تلازماً واضحاً بين الأسباب والمناشئ الداخلية والخارجية، فإن ضعف الرادع الدِّيني وعدم التقوى يؤدّيان إلى ارتكاب المعاصي، كمجالسة أهل السوء. وهذه المعاصي بنفسها تؤدّي إلى ضعف الرَّادع الدِّيني، فالذي يجعل النَّفس أمّارة أو لوّامة أو مطمئنةً هو طبيعة العمل الذي يقوم به الإنسان، من الأسباب الداخلية للذنوب هي ضعف الإيمان: فإنَّ أهمَّ سببٍ من أسباب الوقوع في المعاصي هو ضعف الرَّادع الدِّيني عند الإنسان، أو ما يسمَّى بـ “ضعف الإيمان”. فالإيمان أمرٌ يقبل الزيادة أو النقصان، والشدّة أو الضعف، فنحن نشاهد في مجتمعنا كثيراً من النَّاس يشكون من قسوة قلوبهم، ومن قلّة خشوعهم في صلاتهم، ونرى من سلوكيَّات بعضهم غلبةَ حرصهم على الدُّنيا ويأسهم وقنوطهم وحزنهم في الظُّروف والمصائب القاسية، بالإضافة إلى الأنانيَّة والغرور والتعصُّب، إلى غيرها من الأمراض المتعدِّدة والتي ترجع إلى سببٍ واحدٍ وهو ضعفُ الإيمان، الذي يزدادُ ويشتدُّ عبر الطاعات وينقص ويضعف بالمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إيماناً فَأَمَّا الَّذينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُون﴾. ولا شكّ أنّ هذا الضعف أو القوة في الإيمان لا يولد مع الإنسان ولا يُجبر عليه أحد، فهذا ينافي مبدأ الاختيار وعقيدة “أمر بين أمرين “التي تعني نفي الجبر والتفويض للنّاس، وإثبات اختيارية التكليف الذي تؤمن به مدرسة أهل البيت عليهم السلام. هناك أمور أخرى ذكرت في الروايات يؤدّي فقدانها أو نقصانها إلى ضعف الإيمان مّا يدفع بالإنسان إلى ارتكاب المعاصي، ومنها ما روي عن الإمام الصَّادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: “الإيمان له أركان أربعة: التوكُّل على الله، وتفويض الأمر إلى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم بأمر الله عزّ و جلّ”. فهذه الرِّوايات الشَّريفة وغيرها تشير بشكلٍ صريحٍ وواضحٍ إلى أنَّ للإيمان أركاناً، ومن المعلوم أنَّ الأركان هي الرَّكائز والأسس التي يُبتنى عليها الشّيء؛ فلو فُقِدت هذه الأركان أو بعضها تخلخل بنيان هذا الشيء وزال استقراره. والإيمان محلّه وموطنه القلب، وهو نوعٌ من المعرفة القلبيَّة التي ينبغي أن تكون مصحوبةً بالعمل بالأركان، كما في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان”، فمن أراد أن يرسِّخ إيمانه بالله ويحافظ عليه ويستكمله، يجب أن يرسّخ هذه الأركان في عقله وقلبه معاً، روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: “لا يُكمِل عبدٌ الإيمانَ بالله حتَّى يكون فيه خمسُ خصالٍ: التوكّل على الله، والتّفويض إلى الله، والتّسليم لأمر الله، والرِّضا بقضاء الله، والصّبر على بلاء الله، إنّه من أحبّ في الله، وأبغضَ في الله، وأعطى في الله، ومنعَ في الله، فقد استكمل الإيمان”. ومن أسباب الوقوع في المعاصي ايضا مرض القلب: روي عن الإمام الصَّادق عليه السلام: “ما من قلبٍ إلا وله أذنان: على أحدهما ملكٌ مُرشدٌ، وعلى الأخرى شيطانٌ مُفتِنٌ، هذا يأمره وهذا يزجره، الشَّيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وهو قول الله عزّ و جلّ: ﴿…عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾”. وعنه عليه السلام: “ما من مؤمنٍ إلا ولقلبه أذنان في جوفه: أذنٌ ينفثُ فيها الوسواس الخنَّاس، وأُذنٌ ينفث فيها الملك، فيؤيّد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾”. وروي عنه عليه السلام أنه قال لسليمان بن خالد: “يا سليمان، إنّ لك قلباً ومسامع، وإنّ الله إذا أراد أن يهدي عبداً فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه، فلا يصلح أبداً، وهو قول الله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾”.فهذه الرّوايات وغيرها – كما هو واضح – تشير إلى أنّ القلب هو مركز الأوامر والإدراك، فالقلب السَّليم الطَّاهر هو مركز الأفعال الحسنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى