ثقافية

فئران تجارب الكتابة

3650

محمد المطرود/ شاعر وناقد سوري

تأتي لحظة الفصل، لا شكَّ أنَّها ستأتي، ذلك الفراق الذي تفترضه حالٌ جديدةٌ، في الحسبان هي ليستْ اختيارية، تشبهُ المنفى، لكنّها ليست منفى، تشبهُ السجن وهي ليست كذلك، فأدواتُ السجان هنا غيرَ تلك التي تستحضرها الذاكرة في احتفاء استعادي بالألم. الألم هنا وسمُ الحربِ القريبة قد يكون، إلّا أنّهُ بعيدٌ يتقنّعُ خلفَ أنّةٍ عميقةٍ، تقتربُ من تشكيل هوية جديدة، قائمة على إدراجِ الماضي القريب في الحاضر الجديد، ماضٍ وطنٌ أم، وحاضرٌ وطنٌ بديل، وذاكرةٌ تنشطُ لصالحِ القديم على حساب الجديد، تقول آنا كولي:” النوستالجيا أداةٌ مبتكرة لتذكر الماضي وتعيين الهوياتِ الحالية”، وهي متموضعة وتبئيرية، وتعيد رسمَ المشهد بما يحيطهُ من هوامش وتفاصيل زائدة وظلال أكثر لوجه واحد، ومن ثمَّ طرق عديدة ووعرة إلى الهدف بوصفه الرغبة وكذلكَ لنقده، مقاربة لأطروحة سفيتلانا بويم.
أستعيدُ هذه القراءات التي قد تبدو للوهلة الأولى تخصصية، ولن تعني في أحسنِ أحوالها إلّا فئة معينة، سأسميها” النخبة” تماشياً مع انتقاد ملغّم يوجههُ أنصار” اللاغموض” إلى من يعتقدونَ أنّهم غامضون ومتبجحون، ومتعالونَ على كتابةٍ أفقية، إمّا لجهلٍ وإمّا بفراق يمارسه هؤلاء بحسبهم تجاه المتلقي، ما يعني أنَّ تغييباً متعمداً يفعله هؤلاء، وهذه قطيعة. إذا لابدَّ من استراتيجية في الكتابة، تعيد بناء الثقة، وبناء ماضي الكتابة بما يخصُّ المعرفة عموما، وبما يخصُّ الكاتب نفسه، ماضيه الشخصي، تجربته وقراءاته، وأدواته، وآلية أو شحذ فعالية القراءة على مِسّنِ القارئ، وهنا حتى لايلتبس الأمر فأنا لا أعني البتةَ نزول الأدراجِ إلى الأسفل، ظنّاً أنَّ متلقياً يكمن هناك، لاعتقادي أنَّ النزول هذا المحفوفِ بالهوان والذل، هو لايتمايزُ عن ذلكَ” الغموض” اللامحمود. أنْ يكونَ النص/ المادة عالياً لايكونُ مقعّراً، وأن يكون النص/ المادةُ سهلاً وبسيطاً وسطحياً، لايعني أنّه استوفى شرطَ الوفاء للمرسلِ والمرسَل إليهِ، هذه المعادلةُ صعبة ولها مجاهيل عديدة، تتعدد بتوفرِ المداليل الكثيرة للكتابة وجوهرها ومساسها لما هو عفوي/ فطري/ انسيابي/ سيّال بما هو معرفي، مشغول عليه، واستعادي، وتناصي!
أعودُ إلى العنوان “فئران تجارب الكتابة” عنونة تتحمّلُ الألم الذي عنيتهُ هجرانُ وطن أم باتجاهِ وطن بديلٍ، حيثُ انتشاءُ النوستالجيا وزهوها الفضفاض، الشبيه بحملٍ كاذب، إذ أنَّ انحيازاً للمختلف يتم على حسابِ المؤقت الذي يضعهُ الناص في حسبانهِ، تختفي النديةُ مع الآخر، ويصبحُ العمل ضمنَ مساحة مؤطرة، أول مايعيقها اللغةِ، أكثر من ثقافةِ الآخر وتحدي هذه الثقافة بوصفها معولمة، ومتعالية بفعل التفوق التقني الذي أوصلها إلى بلداننا المستهلكةِ، في الوقت الذي نشعر فيه نحنُ في كنفِ” الوطن الأم” بالخصاء، وما الحالات التي شكّلت مشاريع مناددة إلّا مشاريع استثمرت رغبة وطموحَ صنّاعها خارجاً، فصارت جزءاً منه، مهيمنة مثلهُ وتتحدث بلسانه، حتى تلك التي أرادتْ تشريق الحكاية من التغريب!
وصلني قبلَ أيام أن شاعراً في بلد أوروبي، فاجأه سائلٌ في أمسية له بقوله: “كانَ نصكَ عادياً وثقيلَ دم”، فكانَ ردهُ أنه حسبَ حساب المترجم أولاً ومن ثمَّ متلقياً مختلفاً عن ثقافتهِ، تنطوي هذه المخافةُ على ما يتّبعُ ضمنَ هذا المنظور للقارئ الأوروبي، بتوقهِ لمعرفةِ أدباً يجدهُ غير أدبهِ بموضوعاته، بأجوائهِ التي يربطها بذلك السحر والميتافيزيق، وأيضاً بالإثنوغراف، ليصدمَ بنصوصٍ إما تنتصر للجوء والدفاعِ عن اللاجئ أو النصوص التي تنتصر لتبيانِ قبحِ الحرب ومآلاتها الشريرة على البشر والكتابةِ.
تَدرجُ العادة هذه الأيام وبشكل حثيثٍ في استضافةِ شخصيات (تكتب) في أماسي ومهرجانات، وينبري مترجمون ودور نشر لترويج كتب، تحدد موضوعاتها، وتحصر في خانة واحدة متخذة من سؤال “ماذا يحدث هناك”؟! سؤالاً أصيلاً، لارضاء التباكي والإنسانيةِ وتأجيج روحِ المواساة، وهذا أمر حميدٌ وحسنٌ على صعيدِ الإنسانِ وقضيتهِ وحقوقه وإرضائهِ لجانبٍ أخلاقي، وهذا كلّه يجعلُ البحثَ عن الأدب بوصفه اجتراح آخر للقضايا أمراً يأتي في الصف الثاني، وبالتالي سنكون أمامَ قارئ له محدودية في تلقي هذا النوع من الكتابة، بعد أن يتعرّفَ الكثير من المشكلات، غير أنّه فيما بعد سيجد نفسه في تخمة ومشبَع بنصوص وجدانية، بكائية، أو حتى توصيفية، وبهذا سيكونُ الكاتب هنا ليسَ أكثر من فأر تجربة، سيحكم عليه نهاية بالموت، وبهذا سيخسرُ كاتب ما صوتهُ الأدبي الصرف وقد راحَ خلفَ اللمعةِ الآنيةِ التي توفرّت لهُ، وكذلك سيخسر الكاتب نفسه متلقياً جرّه من حيث لايدري إلى فخّ غير متعمد نصبه، لكنَّ كلاهما صانعُ الكتابة وقارئهُ ساهما في تفخيخهِ.
إعادة الهوية يكون بالانتصار لها، نظراً أنها يمكن أنْ تتجاور وتتشارك، وتحملها اللغة بالوفاء لها، وليس بالتنازل عنها لصالح هوية/ هويات سيبدو (التنازل) مصطنعاً وملفقاً، كالدعواتِ الحاليةِ الداعية إلى الاندماج، ظاهرها دعوةٌ للتعايش ودخول سوق العمل والثقافة المجتمعية والحياة، وباطنها صهر الهوية بهويةٍ أخرى، قد تبدو حضارية وحقيقية ينتظمها القانون حين يصبح ثقافةٍ، لكنها في الوقت ذاتهِ تستشعر قوتها إما من كونها مضيفة وإما من كونِ الوافد الجديد ضعيفاً، أو لائذاً في نفسهِ من هولِ الصدمة الحضارية والمقاربات الكثيرة العقلية وغير العقلية التي يجريها!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى