الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء الوحد والعشرون
الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة
والغزو الثقافي
كانت الحرب النفسية تكتفي بتحقيق التأثير والدعاية والتلاعب بالرأي العام والإقناع السياسي “ولو دون توفّر أدلة ذات صدقية” كما كان يعرفها قسم هندسة المزاج ودائرة الحرب النفسية والدعاية في وكالة المخابرات المركزية الامريكية CIA أثناء الحرب الباردة , أو “التأثير في السكان المدنيين غير المسلحين بهدف جمع المعلومات ومضاعفة الإنشقاق والإرتداد في صفوف العدو” وفق تصور الإستخبارات البريطانية. في حين عرفت موسوعة المعطيات الحرة الحرب النفسية بأنها “الإستعمال المخطط والمُمنهج للدعاية ومختلف الأساليب النفسية للتأثير في آراء ومشاعر وسلوكيات العدو بطريقة تسهل الوصول للأهداف. كما أنها وسيلة مُساعدة لتحقيق الإستراتيجية القومية للدولة. وتُشن في وقت السلم والحرب على السواء، وتُستخدم فيها كل إمكانيات الدولة، ومقدراتها سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وإعلامية وغير ذلك”. هذه الوظائف للحرب النفسية كانت تصلح في زمن الحرب الباردة والحروب التي سبقتها الحربين العالميتين الأولى والثانية وقد انتهت صلاحيتها ولم تعد تجدي نفعاً في عصر العولمة والمعلومات كما صرح جوزيف ناي، لأن توسع وسائل الإعلام وانتشارها بين أيدي الجميع وظهور لاعبين من غير الدول – شبكات ومنظمات وناشطين – غير مفاهيم المصداقية والشرعية السياسية والسلطة التي كانت تحتكرها الدول، ما أدى الى القفز نحو اتجاهات ووظائف جديدة أنتجت الحرب الناعمة، وتوسعت وظائفها لتشمل:
1ـ تشكيل التصورات والمفاهيم العامة.
2ـ بناء البيئة والأرضية السياسية الملائمة لترسيخ قواعد السياسات المطلوبة.
3ـ نزع الشرعية والمشروعية والصدقية عن الخصم نظاماً أم قيادة.
4ـ تغيير شخصية النظام والقيادة لدى الخصم واستبدالها بقوى وشخصيات بديلة.
5ـ قلب الحقائق وتحويل نقاط القوة الى نقاط ضعف والفرص إلى تهديدات.
6ـ جذب جمهور الطرف المستهدف نحو المفاهيم والقيم بدون بصمات واضحة.
وقد لخص سماحة الإمام الخامنئي دام ظله الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة بجملة واحدة قائلاً “الحرب النفسية فرع من فروع الحرب الناعمة، لتبديل إرادة الخصم وتغيير حساباته”. وفي دراسة لمركز قيم ورد أن الحرب الناعمة لا تعد منهجاً جديداً مقابل مناهج الحرب النفسية والدعاية، بل هي تطور في الوظائف والأهداف ناجم عن تطور كمي ونوعي هائل في وسائل ووسائط الإتصال والإعلام ، ويمكن عدّ الحرب الناعمة افرازاً طبيعياً وحتمياً مرتبطاً بسعة إنتشار ونوعية أدوات الجيل الرابع من وسائط تكنولوجيا الاتصال والإعلام الفضائيات / أجهزة الإتصال الخليوية الرقمية / مواقع وصفحات الإنترنت / شبكات التواصل الاجتماعي/ البرمجيات (Software). وللإيضاح سنعرض نصاً نشره موقع وزارة الخارجية الأميركية حول برنامج المجتمع المدني 0.2 كأحد برامج القوة الناعمة، بما يشير لنوعية هذا الإنقلاب: “لقد أحدثت التطورات الأخيرة في تكنولوجيا الاتصال كالهواتف النقّالة ومنصات الشبكات الإجتماعية ثورة في طريقة تبادل المعلومات، والإتصالات، والتنظيم، ومناصرة مصالحنا. تملك هذه التطورات القدرة على تعزيز المجتمع المدني حيث تتواجد حاليا- ويمكنها تنميته حيث لا تتواجد. فمن خلال خفض الحواجز أمام إنتاج وتوزيع المعلومات، أصبح الملايين من منتجي ومستهلكي وسائل الإعلام الجديدة قادرين على التنظيم، والتواصل، والتعلم، والمشاركة في بلدانهم ومجتمعاتهم الأهلية بكفاءة لم يسبق لها مثيل. ومع امتلاك التكنولوجيا الرقمية، تم تمكين الأفراد الذين كانوا دون صوت في السابق، من المشاركة في النطاق العام وتوسيع تنوع الآراء المتوفرة. ومن أجل الخوض الناجح عبر هذه البيئة من وسائل الإعلام الجديدة، يجب على صانعي السياسة، والاستراتيجيين، والمنظمات غير الحكومية، والحكومات مقاومة الإغراء للعمل والاتصال من خلال نموذج القرية العالمية الذي أصبح قديم الطراز الآن، وأن يعتمدوا على البيئة المحلية، من الأسفل إلى الأعلى، وعلى البيئة المعادية لمواقع تويتر، ورسائل فيسبوك، وتحديثات فور سكوير. لقد ترك الناس مع أجهزتهم الخاصة. المجلة الإلكترونية “تثقيف المجتمع المدني 0.2 وهذا هو المقصود بالفعل من عبارة وسائل الإعلام الاجتماعية. إن أسهل طريقة للتذكر كيف تعمل وسائل الإعلام الرقمية هي النظر ببساطة إلى أصابعك العشرة. التكنولوجيا الرقمية تعيد وسائل الإعلام مرة أخرى إلى يديك. “لقد صُممت مبادرة المجتمع المدني 0.2 لمساعدة المنظمات الصغيرة التي تعمل للصالح الاجتماعي من أجل زيادة قدراتها عن طريق استخدام تكنولوجيات التواصل. أما الهدف فهو إقامة شبكة طويلة الأمد، ذاتية الاستدامة من التكنولوجيات، والمتطوعين، ومناصري المجتمع المدني، تكرس اهتمامها على تعزيز عمل المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين”.



