يا ناس أمصيبة أمصيبتنا.. الركعة أزغيرة والشكـ إجبير !
لطالما قلت في نفسي؛ أن الألم هو الصفحة الأكثر أهمية في حياتنا، فبدونه لا يمكننا تذوق معنى الحياة، وكلنا كبشر وبلا استثناء، نحتاج الألم؛ ليشعرنا بأن النبض ثوب ترتديه مشاعرنا، وسنكتشف أن الزمن هو ناقل للألم، بوساطة عناكب تركب أكتافنا مثقلة بالحزن.
في يوم من أيام سنة 2007، في آخر يوم من آخر شهر في تلك السنة الملعونة، غاب عني صديق أثير، كنت كلما ضاقت بعيني الضائقات أفزع إليه، اشتمه أحيانا وأنا في سورة غضب، كان صديقي يردّ عليّ: تذكر أن ثمة من هو أكثر ألماً منك.
أفارقه وأنا أشعر أنه يطعنني بخنجر، لأنه يهون أو يستهين بألمي، ويفاقم ذلك؛ أنه كان دوماً يبتسم كلما شكوت إليه ألمي، لكني مع ذلك، ومرة تلو أخرى أفزع إليه، لأنه كان يمتلك قابلية هائلة، على امتصاص الألم وتحويله الى فرح!
في كل مرة كنت أغادره؛ وأنا مثقل بأوزار الفرح، مع أني كنت للتو عنده أشكو من شدة ألمي!..أين يذهب الألم؟! لم أكن أعرف أن صديقي كان يحمله عني، وكثيرا ما كان يرد على مسامعي؛ بيت شعر سمعته منه ربما خمسمئة مرة ومع ذلك لم يملّ من تكراره:
لا تَلقَ دَهرَكَ إِلّا غَيرَ مُكتَرِثٍ ما دامَ يَصحَبُ فيهِ روحَكَ البَدَنُ
فَما يَدومُ سُرورُ ما سُرِرتَ بِهِ وَلا يَرُدّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ
عنده كانت تنزاح عني الهموم، أو أنا أنزاح عنها فالنتيجة سيان: هي أني أفارقه بكم أقل من الهموم، وبشحنة أكبر، من المثابرة على مواجهة الألم..
مرات قليلة كان يقول لي: مِنْ بَعْدِ العُسْرَه….لا بُدّ تيْسير… يِرْدِلْهَا القُدْرَه….وكُلْ شيْ بْتَدْبِير… ناكَوط الحِبْ كَطْرَه وكَطْرَه….والأِصْلاحْ يْتِم فَدْ مَرَّه.. الشَجَر اليَابِس لاتْزَبْرَه….إشلَعَه مِنْ عِرْكِه وْمِنْ جَذْرَه… عُضْوِ الفَاسِدْ لوْ ما نْبِتْرَه….نْظَلْ نِتأَلَّمْ وِنْجُر حَسْرَه.. ولوْ ظَلَّت على هذا المَجْرَه….نِتْواجَه بالدّار الأُخْرَه.. لكن بَلْجَنْ نِطْفُرْ طَفْرَه….نْصَبُّح لَنْها رِبيعْ وْكَمْرَه..لابُد بَعْدِ العُسْرِ يُسْرَه.. وأكتشفت لاحقا أن ما كان يقوله، هو كلام ورد في أوبريت (الركَعة أزغيرة والشكَـ أجبير) للمنولوجست السياسي “عزيز علي”. مرة قال لي: شوف قاسم، لم يكنني ذلك اليوم!..عجبت من جفائه المفاجئ، لكن عجبي زال حينما قال: نحن نقع على خط المكان بوجودنا المادي، وعلى خط الزمان بوجودنا الروحي، نضع أيدينا على نقطة ما في خط الزمن، فنقسمه إلى قبل وبعد..أخرج من القبل الى البعد ولا تبق أسير الألم…كان كلامه يومئذ أشبه بكلام الفلاسفة، غير أني أيقنت أن صاحبي سيفارقني، وفارقني…قتلوه…!
كلام قبل السلام: عزيز علي مطرب وشاعر شعبي عراقي، ولد في سنة 1911 في بغداد في جانب الكرخ، أشتهر بغناء المنولوجات السياسية اللاذعة، وسجنه النظام الصدامي عدة مرات بسبب ذلك، توفي عزيز علي عام 1998، مغمورا دون أن يذكره أحد، حاله حال معظم المبدعين، الذين انجبتهم بلاد الرافدين. قدم عزيز علي مجموعة من اروع المنولوجات، التي لا زال معظمها تنطبق كلماته، على أوضاع العراق إلى الآن، أشهرها (يا ناس أمصيبة أمصيبتنا نحجي تفضحنا قضيتنا نسكت تكتلنا علتنا بس وين نولي وجهتنا)…!
سلام…
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



