رعد عبد القادر يكتب قصيدة الإستدعاء


علي حسن الفواز
استعادةُ شاعرٍ ما تعني استعادةَ الكثير من سيرته، وسيرة قصيدته، إذ تتلبّس السيرتان في سياق مرجعية تدفع للمقاربة والمقارنة، ولقراءة الأثر بوصفه التحقق الإجرائي لتلك السيّر.
الشاعر رعد عبد القادر يستكنه تلك السيرة من خلال قصيدته، تلك التي تشبهه دائما، بوصفها سيرته، أو بوصفها الطاقة والطقس والغمر الذي تتساكن فيه القصيدة مع وجوده، تفصح عنه، وتُفضي به الى سرائر السيرة، حيث الإحالة والإحاطة، وحيث ما يستغرقه من غنوصيات تستدرجه للحلول، إذ يستدعي لها كتابة التعاويذ والأسحار التعازيم، التي تضعه عند رؤيةً مفارقة للعالم، ليس لأنَّ لغته في نوبة انزياح، أو في طقسِ التمثّلِ الشعري، بقدر ما أنه يدرك سرّ لعبة الشعر وقيومتها على هذه المفارقة، تلك التي تتبدى عبر استعمالات اللغة، وعبر توظيف الضمائر والحلم والاستعارة والتورية والمزاج، وبما تعطي للشاعر أفقا للحضور، ولتحسس ما يحوطه، وما يستقرأه، وما يستدعيه من تفاصيل وتشكّلات تُمثّل جوهر تجربته الشعرية وتحولاتها.
رعد عبد القادر شاعرٌ كثيرُ الانحياز إلى ذاته، وإلى رؤيته، وبما يجعل هذا الانحياز أكثر تعبيرا عن فرادة تجربته وتحوّلها، وعن دأبه في البحث عن أثره الشخصي، وعن طبيعة اللغة التي يشتغل عليها، إذ هي لغة استدعاءٍ دائم، استدعاءٌ يقوم على المجاورات الصوفية والعرفانية، وكتب المغازي والتعازيم والأدعية والطلاسم، مثلما هي قصيدته التي تبدو وكأنها لعبة في تعرية هذه اللغة، إذ ينحو بها إلى الإحالات والتناصات والكشوفات دائما، حيث الإنساني والصوفي والطبيعي، وحيث التفاصيل واليوميات، تلك التي يتمثلها وكأنها ميثولوجيات صغيرة، فهو ينحاز إليها، يعيد النظر باستعمالها، يُحفزها على الإشراق، وحتى رومانسيتها الظاهرة تبدو أكثر تعبيرا عن شغفه بالحياة، وعن استدعائه الوجود عبر التفاصيل، والشذرات، وعبر ما هو يومي، وسحري وطقوسي. “يا إلهِ كم أحبك وأحبُّ بيتي، لن أسافر. أحب مكتبتي، هذا الكتاب لم أقرأه بعد/ هذه السنة ستنتهي مثل التي قبلها/ أحب هذه السترة، لونها الغامق كلون عينيك/ أنظري إلى الحديقة في أي وقت نحن؟ أحب هذه الشجرة وابتسامتك المزهرة، كم أحب يديك/ في الصباح أنهما في الضوء تسكبان العطر في الحليب، تصنعان من الخبز أعياداً وأساطير، كم أحب هذا البيت وقت المطر، غمازة خديك/ لن نغادر في هذا الجو الممطر/ أنظري كم يبدو بيتنا جميلاً من الخارج/ إنها تمطر/ إنه يسافر”.
حساسية الشاعر إزاء تلك التفاصيل تكشف عن وعيٍ مضاد، لا ينشغل بالكُليات، ولا بالنقائض، وعيٍ تعود فيه (الأنا) إلى وحدة الوجود، وإلى الشغف بالسرائر، تلك التي تتعالق فيها الفكرة الشعرية مع اللذة الخالقة، حيث الخصب والعرفان، وحيث المرأة بوصفها الإلوهي، والمكان بوصفه الباشلاري، والتفاصيل اليومية بوصفها صورا لمواجهة فكرة الغياب والعدم.
مثلما تكشف هذه الحساسية عن مفارقة أخرى إزاء ما سمُي بـ(القصيدة المحايدة) التي كتب بعضها رعد عبد القادر في مجموعته “صقر فوق رأسه شمس” التي لا تبدو واضحة في سياق تكامل التجربة، حيث لا يغيب ضمير الأنا تحت هيمنة التجريد أو تحت استدعاء صوت المُريد، بل يحضر صوت السارد الرائي، بوصفه صانع التخيّل، والتماهي والحلول، حيث تبدو النزعة الصوفية أكثر تعبيرا عن معاني هذا الاستدعاء، عبر فعل الرؤيا، وعبر ما يستغوره من أنساقٍ مضمرة، ومُغيبة قصدا تحت غطاء إيهامي من الاستعارات والإشارات، وهو تلميح تحدث عنه الناقد اللبناني حسين بن حمزة، لكنه لم يستدرك به علاقة هذا الحضور ـ ضمير الأنا ـ بتضخم عقد الإيديولوجيا والتاريخ في الشعرية العراقية، مقابل ما أراد أنْ ينزع إليه الشاعر ـ في مراحل لاحقة ـ للتمرد على ذلك، إلى ما يشبه الحلول في الفردانية الصوفية، حيث تنحلّ الأنا في العرفان، وعبر استعادة تمثلات طقوس التكايا وشيفرات الرموز والاستعارات والأثر والسحر والخوف والتعازيم والترانيم والأناشيد.
“نم هادئاً بأمان/ سبعُ شُجيراتِ وردٍ يَحرُسن نَومكْ وطائر يَصفرُ لحناً سماوياً نم هادئاً/ دع النهاية مفتوحة واغلق الباب جيداً وإن قَرعوا لا تفتحْ/ القصيدة قرب رأسك وقدح الماء وطائر البرق في نومك/ هل رأيت أحداً في الحديقة؟ وإن قرعوا لا تفتحْ/ دع النهاية مفتوحة واغلق الباب جيداً وإن قرعوا لا تفتح/ نم هادئاً .. هادئاً بأمان”.
هذه القصيدة هي جوهر تلك التمثلات، إذ تستغرقه هواجس الخوف، ذاكرة الموت، الغيلان، والشياطين، لتكون هذه الكتابة الأشبه بنص التعويذة، النص الشيفروي، النص الضد، النص المفتاح، حيث يستدعي نص الدعاء بصيغة الأمر “نم هادئا بأما”» مقابل وجود ميثولوجيا المقدّس التي تحدّس بسر الرقم سبعة، للحماية والخلاص (سبع شجيرات- طائر يصفر) ولعل البنية النثرية كانت الحيّز الذي أباح للشاعر حريته في الاستدعاء، وفي تقانة توظيف المفارقة والاستعارة، وبما يُعطي للتشكّلات النصوصية حساسيتها في الإزاحة، وفي التعبير عن شعريتها عبر التسمية بوصفه دالّا، وعبر تحفيز العادي ليكون بمصاف الفريد والاستثنائي كما يقول محمد صابر عبيد.
رعد عبد القادر شاعر سيميائيات، إذ يستدعي الكثير من الصفات للتعبير عن الطاقة الدلالية للكلمات، تلك التي تتحفّز للإشارة والتحوّل، او للإحالة نحو أنسنة الغياب، ولإنتاج المعنى، الذي يتسع مع ضيق العبارة على طريقة النفرّي، إذ إنّ ما يلتقطه بصريا تختزله الكلمات إلى ايماءات، وما تسنده الواقعة اليومية يتيه في الحضور الذهني، التلذذ الصوفي، لتكون (خزائن حواسه) هي الباث، والمولّد، وصاحب الاستدعاء، ففي قصيدة “باتجاهك أيها الموت” المهداة إلى سعدي يوسف يمارس رعد عبد القادر وظيفة الاستدعاء بمستوى آخر، وبما ينطوي على إقامة علائق ما بين المنفى الداخلي الذي يعيشه، ومنفى سعدي الخارجي، حيث يقترح الشاعر تقابلات ثنائية من خلال استدعاء هواجس ما تستدعيه تلك المنافي.
نقاط التفتيش هناك- على طول الطريق المؤدية إليك،
هناك سأكتبُ رسالةً إليكِ عن طول الانتظار.
لقد نظروا طويلاً في ورق النخلِ
وسلّطوا مصابيحهم اليدوية على الوجوه في الريح.
حاولنا البقاء متماسكين.
يأتي صوتكِ من وراء زجاج نخلتكِ العجفاء، من وراء الظلام،
هل عثروا على شيء؟



