الجهاد الثقافي
تمثّل الحرب المسلّحة بعداً واحداً من أبعاد الجهاد، وهو البعد المادّي في مقابلة العدو، إلا أنّ أعداء الإسلام لا يأتون لحربه دائماً عن طريق الأسلحة وعبر جبهةٍ واحدة، بل يختارون طرقاً مختلفة لتحقيق أهدافهم المشؤومة، حيث تُعدُّ مواجهتهم على هذه الجبهات “جهاد في سبيل الله” أيضاً. وإنّ الساحات السياسية والأمنية والصناعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية… من الممكن أن تُبدَّل إلى ساحة حرب للحقّ ضد الباطل، وعلى المؤمنين أن يذهبوا لحرب العدو في هذه الساحات بكامل قواهم، وأن يجاهدوا لأجل إعلاء كلمة الحقّ. ومن الواضح أنّ مجاهدي هذه الميادين هم العلماء والكتّاب والقوى الإعلامية والفنّانون… كما أنّ أسلحتها هي العلم والقلم والبيان والفن… ويشير الإمام الخامنئي إلى هذه الأبعاد بقوله: “وللجهاد ميادينه، ومن ميادينه المشاركة في القتال المسلّح. وهناك الميدان السياسي، وميدان العلم، وكذلك الأخلاق. وليس الجهاد مجرّد قتال وتوجّه إلى سوح الحرب. فالسعي في ميادين العلم، والأخلاق، والتعاون السياسي، والبحث العلمي يعدّ أيضاً جهاداً. وصنع الثقافة والأفكار السليمة في المجتمع هو أيضاً جهاد. فإذن، ليس المعيار الجهاد بالسيف في ساحات القتال، وإنّما المعيار هو الكفاح، ولا بدّ للكفاح من أمرين لازمين: أحدهما أن يكون فيه جدّ وجهد وحركة، والثاني أن يكون في مقابل الأعداء”. وفيما يلي، نوضح أبرز أبعاد الجهاد المشار إليها. لقد أمر الله تعالى بالمواجهة الثقافية للعدو، وقال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيراً﴾ . ولمّا كانت هذه الآية قد نزلت في مكة، فهي لا تحمل إشارة إلى الجهاد في ميدان الحرب، ذلك أنّ حكم الجهاد لم يكن قد شُرّع بعد في مرحلة وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة. فطوال ثلاث عشرة سنة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسكن بمكة، عكف من خلال تبليغ القرآن للناس، والدعوة والتبليغ، وتحمّل الأذى على هذا الجهاد الثقافي العظيم. وممّا يستفيده العلّامة الطبرسي من قيد “جهاداً كبيراً” في الآية، أنّ الجهاد الثقافي والردّ على شبهات الكفّار وأعداء الدين هو أثمن أنواع الجهاد عند الله تعالى وأعظمها. واليوم تُعدّ مواجهة الغزو الثقافي الغربي للإسلام والمسلمين من المصاديق البارزة لجهاد أعداء دين الله أيضاً، وذلك أنّهم يسعون بكلّ وسيلة ممكنة وعن طريق خداع الشباب إلى جرّهم نحو الفساد وإهمال القيم الدينية والإنسانية. وهذا بدوره يفرض ضرورة انتباه المراكز التي تُعنى بالشأن الثقافي إلى أهمّيّة الوجود في جميع الساحات بكامل الأهبّة والاستعداد، للقيام بنشر المعارف الإسلامية الأصيلة إضافة إلى ما يؤدّونه من مواجهة الثقافة المنحرفة وتحطيمها. وهو ما أشار إليه الإمام الخميني قدس سره في وصيّته السياسية – الإلهية وحثّ عليه، داعياً الحوزة العلمية والجامعة وأهل القلم إلى أن يعوا رسالتهم العظيمة ويعملوا بها. ومما قاله قدس سره في وصيّته: “أوصي الجامعيين والشبّان الراشدين الأعزّاء أن يبذلوا غاية وسعهم لجعل عقد المحبّة والانسجام مع علماء الدين وطلّاب العلوم الإسلامية أكثر استحكاماً، وان لا يغفلوا عن مخطّطات ومؤامرات العدو الغادر. فإنّ خطّتهم تقضي بحرف الشبّان عن ثقافتهم وآدابهم وقيمهم المحلية، وجرّهم نحو الشرق أو الغرب”.



