الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية

الجزء الثالث
أسباب إعتماد خيار الحرب الناعمة
دشنتها المخابرات المركزية الأميركية CIA في القرن العشرين مع تأسيس وحدة العمليات الدعائية وبزوغ النظرية الأولى للسيطرة على الرأي العام من خلال تقنيات هندسة المزاج The Engineering Of Consent التي ابتكرها عالم النفس الأميركي إدوارد برنايز Edward Bernays التي كانت تمهد الأرضية الإعلامية والنفسية للعمليات السرية والانقلابات التي حصلت في 80 بلداً حول العالم . وقامت بريطانيا بنفس الوظيفة ضمن دائرة العمليات النفسية التابعة للجيش البريطاني زمن الحرب الباردة، عندما كانت قناة BBC الشهيرة جزءاً عضوياً من هيأة الرصد والاتصالات الحكومية التابعة للجيش البريطاني، قبل أن تعلن عام 2012 أنها قناة مستقلة عن الدولة البريطانية، مع العلم أنها صنفت بأنها أعظم أدوات القوة الناعمة البريطانية وفق الوثائق الرسمية المنشورة على موقع مجلس اللوردات البريطاني . وليس جديداً ممارسة التأثير السياسي واللغوي والثقافي والاجتماعي من دولة استعمارية على إحدى مستعمراتها، كما في النموذج الفرنسي مع حالة الجزائر. لكن الجديد هو وصول نطاق ومدى وفن التأثير والنفوذ إلى مستوى غير مسبوق من حيث التخطيط والمنهجية والشمولية والإعداد والتجهيز، بما قد يضاهي أعمال الحرب والعدوان العسكري، بحيث أصبحت تشكل عملاً عدوانياً بديلاً لشن الحرب العسكرية في حالات معينة نموذج الفتنة في إيران عام 2009 بعد انسداد آفاق الحرب العسكرية بوجه أميركا والغرب، أو أن تشكل المنصة المركزية التي تمهد الأرضية الثقافية والسياسية والنفسية والإعلامية لإسناد الضربات والتهديدات العسكرية عبر برنامج متدرج لإضعاف بيئة ومجتمع المقاومة وفك تحالفاتها السياسية، وهو ما يقوم به التحالف الأميركي الغربي الصهيوني وعملاؤهم في المنطقة لمواجهة حالة حزب الله (2005 – 2014 ). خمسة عوامل دفعت الإدارة الأميركية لإعتماد خيار الحرب الناعمة:
أولاـ عامل الديمغرافيا: حيث أدى التزايد السكاني إلى تضخم حجم وانتشار سكان المدن، الأمر الذي أدى الى وضع عائق ضخم أمام اتباع النظرية العسكرية الكلاسيكية التي كانت تقوم على مبدأ السيطرة الخاطفة على الأراضي واحتلال المواقع العسكرية وبالعموم كسب الجغرافيا كإستراتيجية وحيدة لفرض جدول الأعمال السياسي على الأعداء.
ثانياـ التكنولوجيا السياسية: حيث وصل عدد الفضائيات إلى اكثر من 10 آلاف فضائية وامتدت شبكات الإنترنت إلى مليار مشترك ومستخدم وبلغت أجهزة الخليوي ما يقارب مليار هاتف محمول وهو ما غيّر في قواعد الجغرافيا السياسية في العالم، واصبح متاحاً أمام وكالة الأمن القومي الاميركي التجسس على معظم الناس ومعرفة آرائهم والتنبؤ باتجاهاتهم ووضع البرامج الثقافية والسياسية والإعلامية المناسبة لتوجيههم وفق نظرية القوة الناعمة للحصول على ما تريده الإدارة الأميركية.
وما كشفه الموظف المنشق عن وكالة الأمن القومي الأميركي إدوارد سنودن من عمليات تجسس فاق كل تصور، حتى أن الغربيين أنفسهم تعجبوا من مقدار التجسس وشموليته، والتجسس يمكّن الإدارة الأميركية من تصميم موارد القوة الناعمة ومدّها بالمعطيات والبيانات المطلوبة، حتى أن باحثاً كندياً قال في مؤتمره الصحافي أن برامج ويندوز 98 الأشهر في برامج تشغيل أجهزة الكومبيوتر الشخصية والمكتبية في العالم من صناعة وتصميم وبرمجة وكالة الأمن القومي الأميركي .
ثالثاـ فشل خيار الحسم العسكري: كانت الحروب العسكرية تقوم على الضربات الجوية والتوغل البري واحتلال المواقع العسكرية، واستراتيجيات مكافحة التمرد في حال واجه الاحتلال مقاومة شعبية عقائدية منظمة، سواء كانت المنظمات دينية أم قومية أم حتى ماركسية، ومن أبرز مصاديق ونماذج الفشل الأميركي في منتصف الستينات والسبعينات هزيمة فيتنام، وفي العقد الأخير العراق وأفغانستان . وتعزز الأمر مع فشل الحروب الصهيونية التي ارتكزت إلى الضربات الجوية والتوغل المحدود ضد منظمات المقاومة نموذجي لبنان وغـزة.
رابعاـ تحول الميزان الاقتصادي الدولي: وحدث الانتقال من الغـرب باتجاه الشرق، ومن أميركا وأوروبا باتجاه آسيـــا الصاعدة ومجموعة البريكس الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا وصعود المحور الإيراني المتحالف مع محور البريكس.
خامساـ حسابات الكلفة المالية والسياسية والبشرية: حيث إن الكلفة المالية للحرب الناعمة لا تتجاوز انفاق مئات ملايين الدولارات، في حين أنفقت الإدارة الأميركة 3 آلاف مليار في حربي العراق وافغانستان، أي هي نسبة 1 إلى 100، ولا يقتل في الحرب الناعمة أي مواطن أميركي، في حين قتل عشرات آلاف الجنود في حروب أميركا العسكرية، كما أن الكلفة السياسية للحرب الناعمة لا تقارن بالحرب العسكرية، ففي حال فشلت الحرب الناعمة لا أحد يحاسب الإدارة الأميركية عليها، فلا أحد حاسب الرئيس باراك أوباما على الحرب الناعمة الفاشلة التي قام بها في إيران عام 2009، في حين أن جورج بوش لا يزال ملطخ السمعة ويعاني من عار جرائم حربي العراق وافغانستان.



