الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء الثاني
مدخل إلى الحرب الناعمة
من هنا نشأت التعقيدات أمام امكانية رصد وتقدير حجم ونوعية مخاطر وخسائر وأضرار الحرب الناعمة قبل بلوغها مرحلة الإنقضاض والإطاحة. وفي ضوئها تسرب عنصر الإنكار أو التشكيك لدى البعض حول ماهية وحقيقة وجودها، رغم أن الإمام الخامنئي دام ظله وهو أعلى وأهم قيادة شرعية في العالم الإسلامي، تناولها في 20 خطاباً موثقاً مبيناً بأنها “حرب حقيقية في عالمنا المعاصر، رغم أن البعض قد لا يراها”، وربما ما يبرر لهؤلاء سلوكهم في الإنكار إتصاف هذه الحرب بسمات “السرية والتعقيد والتدريج” لكن ذلك لا يعفي أحداً من مسوؤلية مواجهتها، ويتطلب ذلك وفق تعبير الإمام الخامنئي الإعداد الفكري والنفسي لتأمين “بصيرة عمار بن ياسر واستقامة وثبات مالك الأشتر” ولأول مرة في التاريخين القديم والمعاصر تتحول أدوات ثقافية وإعلامية ووسائل إتصال تكنولوجية مدنية، ومؤسسات تعليمية ومشاريع تنموية وبرامج تدريبية للناشطين لإستراتيجية حقيقية هدفها الإطاحة بالأنظمة والمنظمات المعادية لأميركا والغرب. ورغم أن أدوات وأسلحة الحرب الناعمة مدنية وتنموية وإعلامية بامتياز، لكنها تنهض في لحظة حاسمة لتشكل رأس الحربة لإسقاط النظام السياسي المستهدف إيران / سوريا / فنزويلا / أوكرانيا / روسيا / الصين / ألخ أو لإنزال الهزيمة بالمنظمات العقائدية والشعبية المستهدفة كحزب الله. الحرب الناعمة هي الشكل الجديد من الحروب، الأكثر فعالية، والأقل كلفة، تغيرت فيها المعادلات، فاصبحت الفضائيات تعادل الطائرات الحربية وأسلحة الجو، ومواقع وشبكات الإنترنت تعادل أسلحة الدبابات وألوية المدرعات، والمدارس والجامعات تعادل الثكنـات والكليات العسكرية، ومشاريع التنمية ومنظمات المجتمع المدني تضاهي ألـوية المشاة وقطع الأسلحة البرية، ونافست فيها أجهزة الهواتف الخليوية الرقمية والذكية المزودة بالكاميرات والبرمجيات الناعمة كل أجهزة وأسلحة الإشارة السلكية واللاسلكية في التشكيلات العسكرية الكلاسيكية، وتفوقت دقة وسعة معلومات اجهزة استخبارات الحرب الناعمة التي تعتمد على المصادر المفتوحة والعلنية Open Sources كوسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية والمنظمات غير الحكومية والناشطين على شبكات الإنترنت على معلومات المصادر البشرية السرية التي يوفرها عملاء أجهزة المخابرات الكلاسيكية. ولأن الجهاز الإدراكي للإنسان مصمم في تكوينه على الإنفعال والشعور بالخطر فقط أمام القضايا والتهديدات المحسوسة التي يتم رصدها بالعين المجردة، ولأن الحرب الناعمة لا ترى بعدسة الإدراك الحسي من الوهلة الأولى – قد تراها عدسة البصيرة – تُحدث الحرب الناعمة لدى وقوعها المفاجأة والمباغتة والخداع، وهذه العناصر توجب فقدان الرؤية وتشوش البصيرة وغياب الإستعداد لدى الجبهة المستهدفة، ما يؤدي إلى حالات من التزلزل والإرباك وشق الصفوف، وهي نفس العوامل والشروط التي تسعى إلى تحقيقها النظرية العسكرية الكلاسيكية لكسب الحروب وتحقيق الإنتصارات على الأعداء، كما جاء في شرح استراتيجيات وتكتيكات الحرب للقائد العسكري الصيني “سون تزو” صاحب كتاب “فن الحرب” الذي يدرس إلى اليوم في أرقى الكليات العسكرية الدولية وهو ما يوافق عليه تماماً كارل فون كلاوزفيتز أحد أهم المنظرين العسكرين المعاصرين . ومن هنا خطورة الحرب الناعمة، حيث تستيقظ بصورة مفاجأة مجموعة من الأدوات والمعدات غير العسكرية التي تمهد الأرضية الثقافية والنفسية والسياسية بصورة هادئة وتدريجية خلال سنوات عديدة لأجل انجاح مشاريع وخطط الأجندات الأمريكية والغربية والصهيونية المعادية. ليس جديداً أن تقوم الدول بممارسة التأثير والنفوذ بمختلف أشكاله على غيرها من الدول والشعوب، فهذا ديدن الدول منذ فجر التاريخ ونشوء الدول، سواء بوساطة السفارات والقنصليات وعبر الوسائل الدبلوماسية والثقافية والإعلامية المختلفة، وهو ما تقوم به الجماعات والمنظمات والأحزاب بطبيعة الحال في نطاق التأثير السياسي، وتمارسه الشركات في النطاق الإقتصادي والتجاري، وهو الوظيفة الطبيعية للوسائل الإعلامية في المجال العام، وصولاً إلى ما يقوم به الأفراد في العلاقات الشخصية والاجتماعية، والجميع دولاً وأحزاباً وشركات وأفراداً يستهدفون تحقيق غايات ثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية لحسابهم. كما ليس جديداً أن تقوم الجيوش والدول بممارسة الحرب النفسية والدعاية ضد أعدائها المفترضين، فهذا ديدن الجيوش منذ برع القادة العسكريون في الممالك الصينية القديمة من أمثال سون تزو وجنكيزخان في استخدام سياسات الإرعاب النفسي وبث الخوف، وصولاً الى القرن العشرين مع غوبلـز وزير الدعاية والحرب النفسية في حكومة الزعيم الألماني أدولف هتلر (1938– 1944).وللحديث تتمة0



