كيف ندعو الله ؟
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ روي أنّه سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله سبحانه؛ قريب ربّنا فنناجيه، أم بعيد ليدعوه بصوت مرتفع؟ فنزلت الآية؛ لتبيّن قرب الله تعالى المعنويّ من عباده. إنّ الدعاء من أفضل العبادات؛ وهو نوع من الخضوع والطاعة، يزداد الإنسان من خلاله ارتباطاً بالله تعالى، وله آثار تربويّة جمّة؛ نفسيّة وإجتماعيّة. بحيث يُساهم بقوّة في بناء الإنسان المؤمن، وصناعة شخصيّته الروحيّة، ويُشكّل سلاحه ومفتاح نجاحه، ومخّ العبادة؛ كما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومخّ كلّ شيء: خالصه، والدعاء كذلك؛ لأنّه أصل العبادة وخالصها ؛ لما فيه من إمتثال أمر الله سبحانه، وقطع الأمل عمّا سواه، واللجوء إليه، والاعتماد عليه. وفي حديث آخر مرويّ عنه صلّى الله عليه وآله وسلم: “الدعاء: سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السماوات والأرض”. وتوجد منزلة عند الله عزّ و جلّ لا تُنال إلّا بالدعاء والمسألة، كما توجد منزلة لا تُنال إلّا بالشهادة، يقول الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ عند الله عزّ و جلّ منزلة لا تُنال إلّا بمسألةٍ”، ونحن حينما ندعو فإنّا نصل أنفسنا بقوّة لا متناهية تربط جميع الكائنات بعضها بالبعض الآخر، وقد وعدنا الله تعالى بالإجابة إذا دعوناه، غير أنّنا كثيراً ما نبادر إلى ارتكاب بعض الآثام والخطايا التي تشكّل موانع تحجزنا عن نيل إستحقاق الإجابة فنحرم من الخير الكثير؛ بما قدّمت أيدينا. فما هذه الموانع؟ ويتّضح الجواب من خلال ذكر شروط إستجابة الدعاء الّتي تكشف لنا كثيراً من الحقائق الغامضة، وتبيّن الآثار البنّاءة للدعاء. وهي كثيرة؛ لأنّها ترجع إلى حالات الداعي أو الدعاء، أو المكان، أو الزمان، أو غير ذلك. الشرط الأوّل: معرفة الربّ (المدعوّ): روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: “قال قوم للصادق عليه السلام: ندعو فلا يُستجاب لنا؟ قال عليه السلام: لأنّكم تدعون من لا تعرفونه”. الشرط الثاني: الإقبال بالقلب: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ الله عزّ و جلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساهٍ، فإذا دعوت؛ فأقبل بقلبك، ثمّ استيقن بالإجابة” الشرط الثالث: حسن الظنّ بالله تعالى بالإجابة: روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. الشرط الرابع: حصر الرجاء بالله تعالى: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربّه شيئاً إلّا أعطاه، فلييأس من الناس كلّهم ولا يكون له رجاء إلّا عند الله، فإذا علم الله عزّ و جلّ ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه”. الشرط الخامس: الثناء والتمجيد قبل الدعاء: ويُستفاد ذلك من الأدعية المرويّة عن المعصومين عليهم السلام ، وخصوصاً أدعية الصحيفة السجّاديّة على صاحبها آلاف السلام. الشرط السادس: الصلاة على النبيّ وآله قبل الدعاء وبعده: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “لا يزال الدعاء محجوباً؛ حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد”. الشرط السابع: الإقرار بالذنب والاستغفار منه قبل الدعاء: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّما هي المِدْحًة، ثمّ الثناء، ثمّ الإقرار بالذنب، ثمّ المسألة؛ إنّه والله ما خرج عبد من ذنب إلّا بالإقرار”. الشرط الثامن: التعميم في الدعاء: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا دعا أحدكم فليُعمَّ؛ فإنّه أوجب للدعاء”. والمراد منه: أن يُشمل الآخرين بدعائه، ولا يقتصر على نفسه. الشرط التاسع: ترك التعجيل المؤدّي إلى اليأس: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “لا يزال المؤمن بخير ورجاء؛ رحمة من الله عزّ و جلّ؛ ما لم يستعجل؛ فيقنط ويترك الدعاء، قلت له: كيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت منذ كذا وكذا وما أرى الإجابة”. الشرط العاشر: ترك الظلم: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: ” قال الله عزّ و جلّ: وعزّتي وجلالي، لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة ظُلمِها؛ ولأحدٍ عنده مثلُ تلك المظلمة”. وغيرها شروط أخرى كثيرة.



