أهمية التخطيط في الحياة


الوقت في حياة الإنسان هو رأسماله ورصيده الّذي منحه الله عزّ و جل إيّاه والّذي يعيش من خلاله، فإذا أحسن استخدامه وتدبّر في صرفه فسيكون له خير معين على الاستمرار في هذه الحياة بشكل فاعل ومثمر والوصول إلى هدفه، وإذا لم يُحسن استخدامه وضيّعه وأتلفه فإنّ الندم الشديد والحسرة سيلزمانه في دنياه وآخرته. ويبدو أنّ أكبر مشكلة قد يُعانيها المرء هي عدم إحساسه بقيمة الوقت والعمر في حياته، ولذلك تجد من يُدرك أهميّة الوقت يحرص على كلّ ثانية من عمره، ويضع لكلِّ ساعة من يومه مهمّة مفيدة يقوم بها. ولا بأس بمثال بسيط لعلّنا نستشعر من خلاله قيمة ما نُتلفه من وقت يوميّاً باختيارنا. تخيّل معي أنّك لا سمح الله أُصبت بداء خطير، وأخبرك جميع الأطبّاء أنّ ما تبقّى من عمرك هو أربعة أشهر، فما الّذي تفعله حينئذ؟ إذا كنت إنساناً عاقلاً فستضع لائحة بأهمّ الأعمال الّتي يجب إنجازها، مع الابتعاد عن كلِّ ما هو تافه وعديم الفائدة، ومن جهة أخرى ستُقدِّم الأعمال الأخرويّة على الدنيويّة، وستحرص على الاستفادة من كلِّ ثانية مما تبقّى من حياتك. بعد هذا المثال نسأل هذا السؤال: هل يعلم الواحد منّا متى يحلُّ أجله؟ أ ليس الموت يأتي بغتة حتّى لمن هم في صحّة جيّدة؟ فإذاً، تعامل مع ساعات عمرك وكأنّ أجلك قد اقترب، ولا تُضيِّع نعمة العمر الّتي وهبك الله إيّاها. وفي كلام أهل البيت عليهم السلام كلام مؤثِّر فيما يتعلّق بأهميّة العمر: ففي أهميّة الحرص على العمر، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك”.وفي ضرورة تعويض ما فات من العمر، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “لو اعتبرت بما أضعت من ماضي عمرك لحفظت ما بقي”. وفي ضرورة الاشتغال بما هو أبقى للإنسان، أي بما فيه جزاء أُخروي جزيل، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “اشتغال النفس بما لا يصحبها بعد الموت من أكثر الوهن” . إنّ الّذي يُدرك أهميّة الوقت وقيمته في الحياة عليه أن يسعى لوضع خطّة لكلِّ ما يُريد فعله وإنجازه. فالتخطيط هو أهمُّ عامل للمحافظة على أعمارنا وأوقاتنا. ولتقريب الصورة إلى أذهاننا، تصوّر مهندساً معماريّاً كُلِّف بإنشاء بناء مكوّن من عشرة طوابق. تصوّر حال هذا المهندس فيما لو لم يضع تخطيطاً وتصوّراً مسبقاً لما يودُّ إنجازه، إنّ مشروعه حتماً سيُمنى بالفشل، ولن يحصد من وراء خطواته فيه إلّا تضييع الوقت وخسران المجهود. إنّ حياتنا هي مشروعنا الثمين الّذي لا يُقدَّر بثمن، وعدم التخطيط لحياتنا بمثابة بيع حياتنا الثمينة بأبخس الأثمان. إنّ التخطيط الّذي يسبق العمل، ووضع الهدف الّذي يسبق التخطيط هو خير معين لنا للوصول لأفضل وأكمل النتائج. فما المانع من أن يضع الإنسان لنفسه مشروعاً وهدفاً سامياً في حياته ويضع مخطّطاً يُقسِّم فيه إنجاز هذا المشروع على مدى أشهر أو سنوات؟، حتّى يُكتب له أنَّه مرَّ على هذه الدنيا وكانت له بصمة مميّزة ومؤثِّرة فيها، ويكون له ثواب إنجازها في الآخرة. كم من الأفراد يأتون إلى هذه الدنيا ويغادرونها وهم خالو الوفاض. أ تكون واحداً منهم، أم أنت ستحمل مشروعاً لحياتك وستخطّط لتنفيذه؟ إنّ المشروع الّذي قد تحمله وتخطّط له قد يكون مشروعاً علميّاً وثقافيّاً، وقد يكون مشروعاً تربويّاً، وقد يكون مشروعاً اجتماعيّاً وغير ذلك. المهمُّ أن يكون المبتغى منه مرضاة الله عزَّ و جلَّ وخدمة دينه وإعمار أرضه، ومساعدة خلقه. وفي نهاية المطاف كلُّ ذلك يخدم هدفك النهائيّ وهو الوصول إلى السعادة الحقيقيّة في الآخرة.



