اخر الأخباراوراق المراقب

الأمة الشيعية أم الأمة الإسلامية؟

محمد علي جواد تقي..

“إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”.

بين ظلال التحديات الخارجية الماحقة، ومشاعر الخيبة واليأس في الداخل، يبحث الانسان المسلم عمّا يمنحه القوة والمنعة كشخص، وكهوية، وانتماء للتخلّص –على الأقل- من مشاعر الخيبة واليأس من قدرته على مواجهة الهيمنة الخارجية على حياته في كل شيء، وفي الوقت نفسه من قدرته على مواجهة الفساد والفشل والانحراف في الأنظمة السياسية الحاكمة في البلدان التي تحمل الهوية الإسلامية.

ورغم ما يرشح من أذهان المثقفين في كتاباتهم، وما يعبر عنه عامة الناس خلال تعليقاتهم على هذه الكتابات على منصات التواصل الاجتماعي، والتقاء الاثنين عند نقطة اليأس من وجود حلّ أو خروج الى سبيل، رغم كل ذلك، يعزّ عليهم التخلّي عن القرآن الكريم، هذا الينبوع المتدفق دون توقف، والإرث الحضاري والثقافي الذي خلفه رسول الله، والأئمة الهداة المعصومون من بعده، وأيضاً؛ المصلحون والأخيار ممن ضحوا بكل شيء لإبقاء جذوة الحضارة الإسلامية متقدة في النفوس، إنما المشكلة اليوم في ابتعاد هذا الينبوع والإرث الحضاري عن معايير القوة الحضارية في الوقت الحاضر، وبقائه في شرنقة التأريخ الجميل، وانقطاعه عن مسيرة التطور في الحياة.

فاذا كانت للحضارة الإسلامية فترة ازدهار فيما مضى من الزمن، فهل يبرر لنا اليوم القفز على ركام الفشل والهزيمة والانحراف، والبحث عن قوة وتفوق إسلامي من خلال أطر وهويات بديلة؟ وهل يصحّ أن تكون لدينا أكثر من “أمة”، وأكثر من “حضارة”؟!.

استبدال العقيدة بالسياسة والايديولوجيا

الآية الكريمة التي صدرت بها المقال، اعتقد أنها تجسد محور الهوية والانتماء الى الإسلام، لما فيها من الحكمة السامية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فالحضارة والحياة السعيدة للمسلمين في إطار الأمة الواحدة، والبوصلة للوصول الى الهدف الأسمى؛ هي العقيدة، وجوهرها؛ عبادة الله تعالى ونفي مختلف أشكال العبادة التي تعرّف عليها الانسان منذ فجر الحضارات، ومنذ وعى على نفسه في الأزمان الغابرة، فبدأ بعبادة الذات، ثم عبادة المال، وعبادة الحاكم القوي، ثم عبادة الأصنام واللجوء الى تعدد الآلهة بدعوى التعرّف على المسارات المعنوية في الحياة لحفظ النفس، والنسل، ومصادر العيش من المخاطر المختلفة.

وهذا تحديداً ما بشّر به رسول الله، “صلى الله عليه وآله”، أبناء قومه المشركين عندما دعاهم الى نبذ عبادة الأصنام، وقد استنكروا ذلك، فجاءه عمّه أبو طالب ينقل رسالتهم فقال له: “أي عمّ! أو لا أدعوهم الى ما هو خيرٌ لهم منها، أدعوهم الى أن يتكلموا بكلمة واحدة تدين لهم العرب، ويملكون بها العجم”، وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهي ليست مجرد كلمة تُقال، إنما تختزل المنظومة الحضارية الجديدة للبشرية، فالقضية لم تكن عبادة الله تعالى بأداء الصلاة والصيام والحج وسائر الفرائض فقط، وإنما تضم الأخلاق، والثقافة، والفكر، ولم يكن بوسع رموز الجاهلية آنذاك فهم هذا المغزى، بيد أن البشرية في العالم شهدت هذا النور فيما بعد، من جزر اندونيسيا والصين، حتى بلاد المغرب العربي وأفريقيا.

مما يجدر الإشارة اليه، أن كيان الأمة الواحدة الذي أسسه رسول الله، “صلى الله عليه وآله”، والذي استمر لقرون عدّة تحت عنوان “دولة الخلافة”، عصفت بها الانشقاقات السياسية بسبب أخطاء كارثية للحكام في العهد العباسي فظهرت دول متعددة في شرق الوطن الإسلامي وفي غربه، مثل الدولة البويهية في إيران، والدولة الحمدانية في سوريا، والدولة الأدريسية في المغرب العربي، فقد تعددت الانتماءات السياسية وبقيت العقيدة واحدة، تضخ الثقافة والعلم والمعرفة في جميع البقاع الإسلامية، والأهم من هذا؛ البقاء في خندق واحد أمام التحديات الخارجية، فجميع هؤلاء كانوا يواجهون أعداء متعددين تحت راية واحدة وهي؛ الإسلام، وهذا ما حدا بباحث مصري كبير لأن يسلط الضوء على هذه الزاوية من التأريخ الإسلامي، وهو يتحدث عن أحوال الممالك الإسلامية بأن “ثمة ظاهرة يقف أمامها الباحث حائراً مفكّراً، فان تلك الجهود التي بذلتها الإمارات المتوزعة والقيادات المنقسمة في تثبيت دعائمها، وفي ترسيخ اقدامها، وفي دعم سلطانها وكانت كفيلة بأن توقف عجلة التقدم والإصلاح وإشاعة الامجاد، لم تستطع ان تثني من عزم الرجال، أو تفلّ من وحدتهم، أو توقف زحف الأبطال نحو مواطن العزّة والقوة، والوقوف بوجه الغزاة والطامعين من أعدائهم الذين كانوا ينتهزون الثغرة في الصف، والفرقة في الصف”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى