روسيا وأوروبا وآفاق التصعيد.. حرب أوكرانيا تدخل مرحلة خطيرة

بقلم: مازن النجار..
بعد ثمانية عقود من نهاية الحرب العالمية الثانية بأهوالها وتداعياتها، وانضواء أوروبا تحت «السلام الأمريكي»، في ظل ثنائية قطبية وحرب باردة وتوازن الرعب النووي، ثم أحادية قطبية أمريكية، وبعد ازدهار شهدته تحت مظلة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، عادت القارة العجوز لسيرتها الأولى: صراعات وعسكرة وحروب وانحدار اقتصادي وفوضى سياسية عارمة.
في تقرير لمدونة “أوراسيا الكبرى”، بعد رحلة عبر سيبيريا وموسكو، يرى الدبلوماسي ورجل الاستخبارات البريطاني السابق، ألاستير كروك، أن روسيا مستقرة، وأن تحولها الداخلي مستمر. ويؤكد ضرورة فهمها كدولة أوراسية متنوعة ومترامية الأطراف، لا من منظور موسكو وسانت بطرسبرغ فقط. تضم سيبيريا ثقافات ولغات وتقاليد دينية متميزة، بما في ذلك ثقافات بوريات وألتاي، وبوذية متأثرة بالتيبت، وعناصر شامانية راسخة.
نهاية النظام العالمي السابق
يرى كروك، أن فهم روسيا للنظام الدولي تغيّر كثيراً. فهناك القليل مما يدعوها للاعتقاد بأن إجراء حوارات جادة مع واشنطن أو حكومات أوروبا كفيل بحل النزاع الجوهري.
القضية المحورية هي تحول النهج الغربي تُجاه الشؤون الدولية. فالتركيز السابق على المبادئ القانونية المشتركة والأعراف والأخلاق والإرث الحضاري المشترك حل محله الكرد. فالعقوبات والتعرفات الكمركية والضغط للحفاظ على هيمنة الدولار والعمليات العسكرية ضد دول مثل إيران هي مظاهر لنهج الإكراه.
لهذا الأمر تبعات مهمة على التعددية القطبية. فلا يمكن لحضارات سيادية تواجه عداءً شديدًا بناء نظام سياسي تعاوني علني متعدد الأقطاب بهذه الظروف. بل يُرجَح أن يصبح التعدد القطبي دفاعيًا بالمقام الأول: تطوير أنظمة مالية بديلة، وتقليل الاعتماد على الدولار، وإنشاء هياكل لردع الضغوط الخارجية.
أوروبا وآفاق التصعيد
يظهر كروك قلقاً بالغاً إزاء ما يراه نموًا سريعًا لخطاب الحرب في أنحاء أوروبا. فالرسائل العامة تحث الأوروبيين على الاستعداد للحرب، ومناقشات حول الخدمة العسكرية، وتحذيرات متكررة من اقتراب المواجهة مع روسيا.
ويتساءل عن سبب لجوء الحكومات الأوروبية لخطاب التصعيد، بينما تفتقد أوروبا القوى البشرية والبنية التحتية العسكرية وأنظمة الإنتاج والإمداد اللازمة لحرب كبرى. وربما تحاول النخب الأوروبية صرف الانتباه عن مشكلات الاقتصاد والطاقة الخطيرة، مع عدم وضوح القوى الدافعة وراء هذا التحول.
أوكرانيا ومخاطر أكبر
يلاحظ كروك، أن أوكرانيا تقترب من نقطة حرجة. ويشير إلى أضرار لحقت ببنية الطاقة التحتية وإمدادات الوقود والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية والمستودعات، إلى جانب صعوبات اقتصادية متزايدة ومشكلات سوق السندات الأوكرانية.
وبحسب المحلل الاقتصادي، ألكسندر كرينر، تواجه أوكرانيا وأوروبا عواقب وخيمة، إذ أصبح نظامها المالي معتمدًا على علاقات اقتصادية تتلاشى. إن فقدان أوكرانيا كمصدر دخل اقتصادي مستقبلي يعني أنه على المؤسسات الأوروبية توفير كميات متزايدة من السيولة، حفاظًا على النظام. يُؤدي هذا إلى انخفاض قيمة العملة أكثر والتضخم والانهيار النقدي.
لا يُمكن فهم مشكلات سوق السندات حاليًا عبر تفسيرات مالية تقليدية. يُظهر توقيت تحركات السوق دور الجغرافيا السياسية الحاسم. فقد تزامن انخفاض سوق السندات الحاد، الذي بدأ عام 2021، مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، بينما توقف انتعاش أسعار سندات الخزانة الأمريكية بعد بدء حرب ترامب على إيران في شباط 2026.
تُحدث هذه الضغوط انقسامات خطيرة، بينما لم تُهيئ الحكومات الغربية شعوبها جيداً للعواقب الاقتصادية. ويبدو أن الضغوط الناتجة تشجع على مزيد من التصعيد لا ضبط النفس.
لقد تغيّر ميزان الحرب كثيراً. فروسيا تستطيع شنّ هجمات أوسع نطاقًا، بينما تفتقد الدول الأوروبية القدرة الصناعية اللازمة لتعويض المعدات والذخائر العسكرية بالقدر المطلوب. وبالنتيجة، لن يُجبر استمرار الضغط الأوروبي روسيا على تقديم تنازلات، بل سيفاقم خطر اندلاع حرب أوسع.
خطر الكارثة
من ناحية أخرى، يحذر كرابيفنيك من تحوّل حرب بين روسيا وأوروبا سريعًا إلى كارثة حتى من دون أسلحة نووية. ويؤكد، أن تكنولوجيا الصواريخ الحديثة قادرة على تدمير البنية التحتية الحيوية في دقائق، وأن انقطاع الكهرباء والغاز والنقل والإمدادات الغذائية سيجعل الحفاظ على مناطق في شمال أوروبا خلال الشتاء صعباً للغاية.
ويؤكد، أن أنظمة الصواريخ الروسية المتطورة قادرة على ضرب بنى تحتية حيوية في عمق أوروبا، وستتجاوز العواقب الأهداف العسكرية بكثير. وسيفاقم التصعيد النووي حدة هذه العواقب كثيراً.
لذلك، يرى كرابيفنيك أنه على الأوروبيين إدراك حجم الخطر قبل أن يصبح الصدام حتميًا. ويرى أن هناك وقتاً لتجنب مثل هذه النتيجة، لكن تزايد تطبيع الخطاب الحربي والاستعدادات العسكرية يدفعان أوروبا إلى مواجهة مباشرة وخطرة مع روسيا.
لذا، تُمثل أزمة السندات الحالية خطرًا كبيرًا وفرصة عظيمة أيضاً. فمع ضعف النظام “المالي” القديم، تلوح في الأفق فرصة بناء نظام اقتصادي قومي أساسه النشاط الإنتاجي والتنمية القومية والازدهار البشري.



