اخر الأخباراوراق المراقب

هل يحتاج أبناؤنا إلى حماية أفكارهم أم إلى تعليمهم كيف يفكرون؟

كمال عبيد..

لم يعد الطفل أو الشاب اليوم ينتظر معلومة من معلم أو كتاب أو مؤسسة ثقافية حتى يبدأ في تشكيل أفكاره. الهاتف الذي يحمله في يده يفتح أمامه آلاف الآراء والمقاطع والصور والخطابات خلال دقائق، ويضعه أمام أفكار دينية وسياسية وفلسفية واجتماعية متناقضة، بعضها عميق ومفيد، وبعضها سطحي أو مضلل أو مصمم أصلاً لجذب الانتباه وتحريك الانفعال. وفي هذه البيئة لم يعد السؤال التربوي الحقيقي: كيف نمنع الفكرة الخطأ من الوصول إلى أبنائنا؟ ولكن: كيف نربي إنساناً يستطيع أن يميز بنفسه بين الفكرة التي تستحق أن تُفهم والفكرة التي تستحق أن تُراجع؟.

لذا يكتسب الأمن الفكري معنى أكثر اتساعاً من مجرد حماية المجتمع من التطرف أو الانحراف. إنه قدرة الإنسان على امتلاك عقل متوازن، يعرف ما يؤمن به، ويفهم أسباب إيمانه، ويميز بين الحقيقة والدعاية، وبين الاختلاف والعداء، وبين السؤال الفكري والتشكيك العدائي، وبين الحرية الفكرية والاستسلام لأي محتوى يفرض نفسه عبر الخوارزميات. الأمن الفكري في هذا المعنى ليس جداراً يعزل الإنسان عن العالم، وإنما قدرة تجعله يدخل العالم من دون أن يفقد وعيه وهويته.

لقد تغيرت طبيعة الخطر الفكري نفسه. في الماضي كان تأثير الأفكار يحتاج إلى مؤسسة أو كتاب أو جماعة أو منبر، أما اليوم فقد يصل المحتوى إلى الإنسان من حساب مجهول خلال ثوانٍ، ثم تعيد الخوارزميات تقديم محتوى مشابه حتى يبدو له أن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها. ومع تكرار الرسالة، قد تتحول الفكرة من مادة للنقاش إلى قناعة تبدو لصاحبها حقيقة مكتملة. وبذلك تكمُنُ إحدى أخطر مشكلات العصر الرقمي: الفكرة لا تنتصر دائماً لأنها صحيحة، وإنما قد تنتشر لأنها مثيرة وقابلة للتداول. لهذا فإن التربية التي تكتفي بتقديم قائمة من الأفكار الممنوعة أو التحذير من أصحابها لا تستطيع وحدها مواجهة البيئة الجديدة.

الطفل الذي يتعلم أن يسأل: من قال هذه المعلومة؟ وما دليله؟ وهل توجد رواية أخرى؟ وما مصلحته في تقديمها بهذه الطريقة؟ وما الفرق بين الخبر والرأي؟ سيكون أكثر قدرة على حماية نفسه من التضليل من طفل حفظ عشرات التحذيرات من دون أن يتعلم كيف يفكر.

وعليه ستتغير وظيفة المدرسة والأسرة والجامعة والإعلام. اذ لم تعد مهمتها تقديم الإجابات فقط، وإنما تدريب الإنسان على إدارة السؤال. فالعقل الذي يخاف من السؤال قد يبحث عن إجابة سرية في مكان آخر، بينما العقل الذي يجد مساحة آمنة للحوار يستطيع أن يناقش أفكاره أمام من يثق بهم، ويختبرها، ويغير بعضها عندما تظهر له أدلة جديدة. ولذلك فإن الحوار ليس تهديداً للأمن الفكري؛ إنه إحدى أهم أدوات بنائه.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالدين والهوية والقيم. فالهوية التي تُقدم للأجيال بوصفها مجموعة أوامر لا تحتاج إلى فهم قد تصبح ضعيفة أمام أول خطاب جذاب يقدم تفسيراً مختلفاً. أما الهوية التي يعرف الإنسان تأريخها ومعانيها وقيمها ويستطيع الدفاع عنها بالحجة والأخلاق، فإنها تصبح أكثر قدرة على الاستمرار. حماية الهوية لا تتحقق بإغلاق النوافذ، وإنما بتقوية الإنسان الذي يقف أمامها.

وعليه يمكن فهم التطرف أيضاً بوصفه مشكلة تربوية وفكرية قبل أن يكون مشكلة أمنية. فالعقل الذي يتعلم أن العالم ينقسم إلى معسكرين فقط، وأن المختلف عدو، وأن الحوار تنازل، وأن الاعتراف بالخطأ ضعف، يصبح أكثر قابلية للانغلاق. أما التربية التي تعلّم الاختلاف، وتدرب على الاستماع، وتقبل المراجعة، وتفرق بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، فإنها تضع أساساً نفسياً واجتماعياً لمقاومة التطرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى