اخر الأخباراوراق المراقب

عوامل السعادة ومقومات الحياة الطيبة

إن الطريق إلى السعادة ليس صعبًا أبدًا، وليس طويلًا أبدًا، إنما من يجهل الطريق الأقصر، ولا يوفّر الآلات والوسائل، فإنه الذي يصعب عليه طيّ الطريق، أو تطول عليه المسافة والمدة، أو قد لا يصل أبدًا.

ويمكنك أن تجد السعادة، بل أن تتذوقها وتستشعرها بشراشر وجودك، في الأشياء الصغيرة المنتشرة حواليك، بل التي تحيط بك أينما ذهبت، وفي كل وقت وآن وزمان.

إن كثيرًا من الناس يخطئ عندما يتصور أن السعادة يمكن أن تُشترى، أو أن يحصل عليها المرء دفعة واحدة إذا حصل، مثلًا، فجأة على مليون دولار، أو مليار دولار! مع أن الاستقراء يشهد بأن أكثر الأغنياء غير سعداء بالمرة.

ومن اللطيف أن عددًا من العلماء قاموا بدراسة حالة عشرة أشخاص حصلوا على مبالغ ضخمة في اليانصيب في أمريكا، مبالغ تتراوح بين ثلاثمئة مليون دولار، وأقل، وأكثر، وهو رقم ضخم حقًا، إذ إن أكثر الناس يتصور أنه إذا حصل على مثل هذا المبلغ، بل حتى وأقل منه بكثير، فإنه سيكون سعيدًا حقًا. لكن استقراء حالة هؤلاء العشرة أثبت العكس تمامًا، إذ وجدوا خلال سنة أن بعضهم انتحر، وبعضهم قُتل، إذ حاول اللصوص السطو عليه، فلما قاوم قُتل، وبعضهم أفلس، إذ لم يعرف كيف يدير محفظته المالية، وهكذا.

ولعل النادر منهم لم يُبتلَ بكل ذلك، لكن هل نال السعادة؟ أم أنه دخل في مرحلة جديدة من الصعوبات والتحديات، ومن القلق على إدارة الأموال ومخاطرها، وكيفية التعامل مع المنافسين أو مواجهتهم، وغير ذلك؟.

إن الله تعالى قدّر لنا أن نتذوق السعادة على طول الخط، في الأشياء التي تبدو صغيرة حقًا. وعلى سبيل المثال، فإن كل شيء في مناظر الطبيعة ومشاهدها يمنحك جرعة سعادة إذا أدركت قيمة ذلك؛ فالنظر إلى القمر المنير يوفر جرعة سعادة، وكذلك رؤية السحب وهي تتحرك في السماء بأشكالها المتنوعة أمر مبهج حقًا، وكذلك حفيف الأشجار وزقزقة العصافير، وكذلك عندما تقوم صباحًا، فتهيّئ لنفسك إفطارًا، أو تجد والدتك أو زوجتك قد أعدّته، فإن ذلك مشهد من أروع مشاهد السعادة وعواملها.

لكن المشكلة تكمُنُ في أن تكرارها دومًا أفقدنا بهجة الاستمتاع بها والتلذذ واستشعار قيمتها، ومن ثم شكر الله عليها، وإنما يعرف قيمتها وروعتها وجمالها من فقدها. فمثلًا، إنّا نشرب الماء كل يوم عدة مرات، ولعله بشكل ميكانيكي، لكن الإنسان إذا ضاع في الصحراء القاحلة وفقد الماء ليوم أو يومين، فإنه إذا حصل على كأس ماء، فإنه سيعدّه أعظم نعمة، بل لعله إذا خاف الهلاك عطشًا يستعد لأن يدفع كل ثروته وقصوره مقابل إناء ماء واحد فقط.

لكن المشكلة، وكما سبق، في التكرار، ثم التكرار. والحل، لكي تستشعر الرضا والسعادة والهناء، يكمُنُ في أن تنظر لكل المكررات: قمر، شمس، رياح، غداء، عشاء، سيارة، معلّم… بنظرة المتأمل الشاكر الحكيم، وأن تذكّر نفسك دومًا بمدى جمال وروعة هذه الأشياء المتكررة: الصغيرة منها والكبيرة.

فعندما تنظر إلى وجهك في المرآة، فلا ترى تشوهًا، ولا كسورًا، ولا بثورًا، فاشكر الله فورًا، واستمتع بهذه النعمة، ولا تمرّ عليها مرّ البرق، بل تذوّقها بوجودك، وحينئذ سترى بواعث السعادة تحيط بك من كل حدب وصوب: في إخوتك، أطفالك، مدرستك، معلّمك، تلاميذك، في الزقاق الذي تسلكه كل يوم، وكان من الممكن أن يكون مليئًا بالعقارب والأفاعي الخطرة، أو مليئًا بفخاخ الإرهابيين، أو غير ذلك. لكن الله تعالى وفّر لك الأمن من حيث لا تحتسب، وأنت، مع ذلك، تبحث عن السعادة فيما ليس عندك!.

صفوة القول: استكشف السعادة فيمن حولك عبر انتهاج هذا المنهج، وهو استثمار الأشياء الصغيرة الكثيرة جدًا المنتشرة حواليك، والتي تملكها بالفعل، في إسعاد الآخرين وإدخال السرور في قلوبهم وفي قلبك كذلك.

فمثلًا: الابتسامة فإنها سهلة جدًا وفي متناول يدك دومًا. فعليك، كما يقول أحدهم، أن توزّع ابتسامات! فإذا دخلت البيت، ابتسمت ابتسامة حلوة للزوجة والأولاد، وإذا دخلت المدرسة، سلّمت على التلامذة بابتسامة صافية، وإذا شاهدت زملاءك أو الموظفين، فكلّمهم بوجه طلق وابتسامة طيبة، وسرعان ما تجد السعادة تملأ قلبك وقلوبهم، وفي الرواية: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى