الجهل والتسوية التاريخية


بشارة الكعبي
تُعرّف وزارة الدفاع الأمريكية مفهوم “”إدارة الفهم Perception Management” بأنه نشر لمعلومات أو حذف لمعلومات لأجل التأثير على تفكير الجمهور والحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح، ولأن النشر والحذف يتطلّبان أساليب دقيقة ومعرفة تامة بعلم النفس والسلوك والإدراك قام باحث ستانفورد المختص بتاريخ العلوم بصياغة ما يُعرف بعلم الجهل Agnotolgy وهو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطرق علمية رصينة. والجهل هنا ليس عدم المعرفة فقط وانما هو صياغة لمنتج يتم تسويقه عن طريق أدوات (شركات وافراد) للجمهور المستهدف والمراد التشويش عليه لمدة زمنية قد تكون محددة أو مفتوحة والغاية هي امرار ما يمكن لبث روح التشكيك وعدم الثقة لحين تحقق الهدف المطلوب (من تسويق المنتج). وبما ان العلم نور والجهل ظلام ولان النور يعني القدرة على الفهم والرؤية الصحيحة واتخاذ القرار الصائب لدى الجمهور وهذا ما لا يريده بعض السياسيين، فالظلام هو المطلوب في أحيان كثيرة ليتحركوا فيه ببث اضاءة هنا وإضاءة هناك وهذه من خلال نشر المعلومات التي تؤثر على الجمهور من ناحية تأييده أو رفضه المنتج ومن ناحية أخرى معرفة ردة فعله تجاهه، بمعنى اخر هو تشويش من ناحية ومن ناحية أخرى هو جس النبض لدى أولئك المبصرين في وسط تلك العتمة ليتم تقيم الخطوة الحالية ومتى وكيف تكون التالية. سمعنا كثيرا عن التسوية الوطنية أو التاريخية، من خلال قنوات (شركات) ومدراء مكاتب السماحات (افراد) وسياسيين (افراد) و99.99% من الشعب العراقي يسمع عنها ولا يعرفها علما انه المعني الأول بها وستؤثر على ماضيه وحاضره ومستقبله. وهو الان أمام واقع حال بان هناك اشخاصا يتحدثون باسمه من دون تخويل منهم وكذلك ستكون نتائج هذه التسوية التاريخية وعليه القبول بها. فالشعب العراقي لحد الان لا يعرف ماهية التسوية وبين من ومن حقيقة، هل هي بين شيعة السلطة والإرهابيين في الداخل والخارج ؟ هل هي اعتراف من أصحاب التسوية بان من يشاركونه الحكم طيلة 13 عاما هم من كانوا يقتلون الشيعة في العراق ؟ هل هي تأسيس لحكم أبدى لأشخاص خدمتهم الظروف وبعض الدول الكبرى لحكم العراق فيما مضى والاستمرار فيما بقي من زمن ؟ هل خطاب زعيم التحالف الوطني الحاكم يوم أمس هو تجهيل اخر للشارع الشيعي ؟ ولماذا كلما ضاقت الأفق السياسية يتجه الساسة الشيعة لعلماء الدين في الداخل والخارج ؟ وما معنى عدم استقبال زعيم الحوزة في النجف الاشرف السيد السيستاني (حفظه الله) لزعيم التحالف الشيعي ؟ وان كانت هذه التسوية تخدم الشعب العراقي حقا كما يدعي المسوقون لماذا لا تطرح للجمهور ويتم الاستفتاء عليها ؟ هي أسئلة تدور في خلد الكثيرين لعل الشركات والأفراد المسوقين لمنتجات السماحات يجيبون عنها يوما ما، ونأمل ان تكون الإجابة، قبل ان تقع فأس التسوية التاريخية في رؤوس الايتام والأرامل وذوي الشهداء وضحايا الإرهاب من الشعب العراقي وتحديدا الشيعي.



