سيكولوجية الفكر في موقف أبي الفضل العباس”ع” عند العلقمي

زهراء رسول تركي..
ليس بعض المواقف مما يُقرأ في حدود الحدث، ولا مما تستوعبه الرواية بوصفها خبرًا وقع في زمان ومكان؛ لأن ثمة مواقف تتجاوز لحظتها حتى تصبح صورة مكتملة للإنسان حين يبلغ أقصى درجات الوعي، وحين تتعرّى النفس من كل ما يمكن أن يستر حقيقتها.
ومن بين تلك المواقف يقف أبو الفضل العباس (عليه السلام) عند الفرات، لا بوصفه رجلًا بلغ الماء بعد مسير شاق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا وقف أمام أكثر حاجاته التصاقًا بجسده، ثم اختار أن يجعل منها امتحانًا لروحه.
كان الماء قريبًا، وكان العطش حاضرًا، وكانت القربة تنتظر أن تُملأ؛ غير أن المسافة بين اليد والماء لم تكن المسافة الحقيقية في ذلك المشهد، بل كانت المسافة بين حاجة الجسد ونداء المبدأ.
وهنا تبدأ القراءة السيكولوجية الفكرية للموقف؛ إذ إن العباس (عليه السلام) لم يكن أمام عدو فحسب، بل كان أمام ذاته، أمام حاجتها، وأمام السؤال الذي قد يختصره ذلك المشهد كله: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح ما يحتاج إليه متاحًا، ولكنه يرى أن هناك من هو أولى به منه؟
إن الإجابة عند أبي الفضل لم تكن قولًا نظريًا، وإنما كانت موقفًا.
أولًا: حين يبلغ العطش منتهاه
العطش ليس فكرة، إنه إحساس يطرق الجسد بإلحاح، ويطالب بحقه دون أن يستأذن العقل أو يستشير المبدأ. وكلما اشتد العطش ضاقت مساحة التفكير، وأصبح الماء غاية تبدو كأنها تختصر العالم كله.
ولهذا فإن عظمة موقف العباس (عليه السلام) لا تكمُنُ في أنه لم يجد الماء، بل في أنه وجده.
فلو كان الماء بعيدًا، أو محالًا، لكان الامتناع عنه نتيجة الحرمان.
أما أن يكون الماء بين يديه، وأن يبلغ منه ما يكفيه، ثم لا يجعل منه نصيبًا لنفسه؛ فهنا يتحول الموقف من حالة حرمان إلى اختيار. وهذه هي النقطة التي تمنح المشهد بعده النفسي العميق.
فالجسد يقول: اشرب، لكن الروح التي تربت على الوفاء تقول: ليس الآن.
ثانيًا: عند الماء تبدأ مواجهة أخرى
لم تكن معركة العباس (عليه السلام) عند الفرات مع السيوف وحدها.
ثمة معركة أكثر خفاءً وأعمق أثرًا؛ معركة لا يسمع صليلها أحد، لأنها تدور في أعماق الإنسان.
إنها معركة الذات مع الذات.
ذات عطشى تقف أمام الماء، وذات أخرى ترى أن الماء لا ينبغي أن يتحول إلى نجاة شخصية في الوقت الذي يموت فيه الآخرون عطشًا.
وهنا يظهر مقام العباس (عليه السلام) في أصفى صوره؛ لأنه لم ينتصر على عدو خارجي فقط، وإنما انتصر على كل احتمال يمكن أن يجعل الذات مركزًا للموقف.
لقد خرج من حدود «أنا» إلى رحاب «الحسين”.
ولذلك فإن قوله المنسوب إليه:
«يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني»
ليس مجرد بيت من الشعر، وإنما هو لحظة مواجهة مع الذات.
إنه خطاب الإنسان إلى نفسه حين يريد أن يضعها في موضعها الصحيح.
ثالثًا: “يا نفس”… حين يخاطب الإنسان أعماقه
ما أعمق أن يبدأ الخطاب بـ:
يا نفس
لم يقل: يا جسد، مع أن الجسد كان عطشانًا.
ولم يقل: يا عطش، مع أن العطش كان حاضرًا.
بل خاطب النفس؛ ذلك الموضع الذي تجتمع فيه الرغبة والإرادة، والحاجة والقرار.
وكأن العباس (عليه السلام) يقول لنفسه:
أعرف حاجتك، وأشعر بعطشك، ولا أنكر عليك ما تطلبين، لكن ثمة ما هو أسمى من حاجتك، وثمة إنسان صار بقاؤه عندك أغلى من بقائك.
ومن هنا تبدو عظمة العبارة؛ فهي لا تقوم على إنكار الطبيعة الإنسانية، بل على سمو الإرادة الإنسانية.
فليس العظيم من لا يعطش، وإنما العظيم من يعطش ولا يسمح لعطشه أن يهزم مبدأه.



