اخر الأخباراوراق المراقب

الوقوف عند الشبهات.. منهج إيماني لحفظ الدين وترسيخ البصيرة

صباح الصافي..

وضوح الطَّريق إلى الحقِّ غايةٌ أساسيَّة في المنهج الإسلامي؛ إذ جعل الله (تعالى) الإنسان مُكلَّفًا بطلب الهداية، والسَّعي إلى معرفة الصَّواب، والابتعاد عن مواطن الضَّلال والانحراف. وقد تميَّزت الشَّريعة الإسلاميَّة بعنايتها بحفظ عقيدة الإنسان وسلوكه، ووضع منهجٍ للتَّعامل مع الموارد التي يكتنفها الاشتباه والالتباس، حفاظًا على سلامة التَّكليف وصيانةً للدِّين من التَّلاعب والانحراف. فالشُّبهات من أخطر الموانع التي قد تحول بين الإنسان وبين إدراك الحقيقة؛ لأنَّها لا تظهر في صورة الباطل الصَّريح؛ وإنَّما تكتسب تأثيرها من مشابهتها للحقِّ، فتوقع غير المتمكِّن في الحَيرة، وتفتح الطَّريق أمام أصحاب الأهواء لترويج الأفكار المنحرفة وإلباسها ثوب الصَّواب. ومن هنا جاءت النُّصوص القرآنيَّة المباركة والرِّوايات الشَّريفة مؤكِّدةً ضرورة التَّثبت، والتَّحرز من موارد الاشتباه، وعدم الإقدام على ما لم يتَّضح وجهه.

وقد أرست مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منهجًا متكاملًا في التَّعامل مع الشُّبهات، يقوم على الوقوف عندها، وعدم الاستعجال في تبنيها أو نشرها، والرُّجوع إلى أهل العلم والبصيرة، والاستعانة بالله (سبحانه) لطلب الهداية وكشف الالتباس. فالوقوف عند الشُّبهة يعني اعتماد المنهج العلمي القائم على التَّثبت، والاحتياط، والرُّجوع إلى مصادر المعرفة الموثوقة.

ومن هنا تأتي أهميَّة البحث في موضوع “الوقوف عند الشُّبهات”؛ لبيان مكانته في المنظومة الإسلاميَّة، والكشف عن حقيقة الشُّبهة وخطورتها، وبيان الضَّوابط التي رسمتها الشَّريعة للتَّعامل معها، بما يحقِّق للمؤمن سلامة الاعتقاد، واستقامة السُّلوك، والثَّبات على طريق الحقِّ.

أهميَّة الوقوف عند الشُّبهة

لقد رسمت الشَّريعة حدود الحلال والحرام رسمًا واضحًا، ودعت المكلَّف إلى الالتزام بها، تحقيقًا للتَّقوى، وسدًّا لمنافذ الانحراف؛ قال الله (عزَّ وجلَّ): (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وعن الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): “حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ” ومع أنَّ الأصل في الأحكام الشَّرعيَّة هو الوضوح والبيان، فإنَّ الواقع العملي قد يشتمل على موارد يلتبس فيها الحكم أو تختلط فيها الحقائق، فتبرز الحاجة إلى بيان الموقف الشَّرعي منها.

 وتظهر أهميَّة هذا المبدأ في الحالات التي يلتبس فيها الحكم الشَّرعي أو تختلط فيها الحقائق التي أقرَّها الإسلام، بحيث يعجز المكلَّف عن القطع بحلِّيَّة الفعل أو حرمته، أو بكون القضيَّة من الحقِّ أو الباطل. وفي مثل هذه الموارد يكون التَّوقف والاحتياط مقتضى الحكمة، لما فيهما من صيانة الدِّين، والمحافظة على سلامة الامتثال، واجتناب الوقوع في مخالفة الواقع.

وقد أرشدت النُّصوص الشَّريفة إلى المنهج الذي ينبغي اتِّباعه عند الاشتباه؛ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)” وتؤسِّس هذه الرِّواية قاعدةً منهجيَّة في التَّعامل مع الوقائع؛ إذ تميِّز بين ما اتَّضح حكمه فيُعمل به، وما ظهر بطلانه فيُجتنب، وما التبس أمره فيُرجع فيه إلى الكتاب والسُّنَّة وأهل الاختصاص في القضايا الدِّينيَّة. وعن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): “دَعْ ما يُريبُكَ الى ما لا يُريبُكَ، فَمَنْ رَعى حَوْلَ الحِمى يَوشَكُ أنْ يَقَعَ فيهِ” وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “إِيَّاكَ وَالْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَالْوُلُوعَ بِالشَّهَوَاتِ؛ فَإِنَّهُمَا يَقْتَادَانِكَ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَرُكُوبِ كَثِيرٍ مِنَ الْآثَامِ” وتكشف هذه الرِّوايات عن البعد الوقائي لهذا المبدأ؛ إذ إنَّ الابتعاد عن موارد الرِّيبة يحقِّق الاطمئنان إلى سلامة العمل، ويغلق السُّبل المؤدِّية إلى الوقوع في المحظورات.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): “فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ” وهي قاعدة أخلاقيَّة وفقهيَّة تؤكِّد أنَّ التَّثبت عند الاشتباه أقرب إلى السَّلامة من التَّسرع في الإقدام على ما لم يتبيَّن حكمه. وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “أمسِكْ عن طَريقٍ إذا خِفتَ ضَلالَهُ؛ فإنَّ الكَفَّ عن حَيرَةِ الضَّلالَةِ خَيرٌ مِن رُكُوبِ الأهوالِ” وبهذا يتبيَّن أنَّ الوقوف عند الشُّبهات هو منهج تربوي وتشريعي يرسِّخ التَّقوى، ويحفظ للمؤمن دينه، ويقوده إلى العمل على وفق ما يُرضي الله (تعالى).

 وعن الإمام الباقر (عليه السلام) – لمَّا سأله زُرارة عن حقِّ الله (سبحانه) على العباد؟- قال: “أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ، وَيَقِفُوا عِنْدَ مَا لاَ يَعْلَمُونَ” وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “مِن التَّوفيقِ الوُقوفُ عِندَ الحَيرَةِ” وعن الإمام الصَّادق (عليه السلام): “أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ.

 فالشُّبهات من أخطر الوسائل التي تُستعمل لطمس معالم الحقِّ وإثارة الالتباس في أذهان النَّاس؛ إذ تقوم على مزج الحقِّ بالباطل، وإظهار الباطل في صورة الحقِّ، فيفقد كثير من النَّاس القدرة على التَّمييز بينهما، فتضعف بصيرتهم، ويبتعدون عن جادَّة الصَّواب. ومن هنا جاءت النُّصوص الشَّريفة محذِّرة من آثار الشُّبهات وما تخلِّفه من انحراف فكري وسلوكي، ولا سيَّما عندما تُستغل لتحقيق أهداف أهل الضَّلال وإضلال المجتمع.

وقد أشار أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) إلى هذا المعنى في كتابه إلى معاوية، مبيِّنًا ما تُحدثه الشُّبهات من اضطراب في العقيدة والمنهج، فقال: “وأَرْدَيْتَ جِيلًا مِنَ النَّاسِ كَثِيراً، خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ، وأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ، وتَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ، ونَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ، إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وهَرَبُوا إِلَى اللَّه مِنْ مُوَازَرَتِكَ؛ إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ، فَاتَّقِ اللَّه يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ، وجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ والآخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، والسَّلَامُ.

وتببِّن هذه الرِّواية أنَّ الشُّبهات تؤدِّي إلى انحراف الإنسان عن الطَّريق المستقيم، وتوقعه في الحيرة والاضطراب، في حين ينجو منها أصحاب البصيرة الذين يستضيئون بنور المعرفة، ويتمسكون بالحقِّ، ويرجعون إلى الهدى عند اشتباه الأمور.

ويتوافق هذا المعنى مع قول الله (تبارك وتعالى): (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) حيث ينهى القرآن الكريم عن خلط الحقِّ بالباطل؛ لما يترتب على ذلك من تضليل النَّاس، وإفساد معايير التَّمييز لديهم. ومن هنا تبرز أهميَّة التَّحصن بالعلم والبصيرة، والرُّجوع إلى الكتاب الكريم وسنَّة النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) عند وقوع الاشتباه، حفظًا للدِّين، ووقايةً من الانجرار وراء الشُّبهات ومُروِّجيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى