عصابات «داعش» ترتد على أنقرة وتتصدى للجيش التركي بمدينة «الباب» في سوريا


المراقب العراقي – خاص
النظام العثماني الجديد في تركيا من أبرز المشاركين في الحرب الارهابية الكونية على الشعب السوري، اذ فتح أراضيه لتدفق الارهابيين من جنسيات عديدة الى داخل الاراضي السورية، واستقبلت مطاراته شحنات السلاح لضخها الى عصابات الارهاب لتمارس القتل وارتكاب المجازر ضد أبناء سوريا، وشكل طواقم استخبارية مشتركة مع اسرائيل وبريطانيا وأمريكا ودول خليجية داخل سوريا، تمارس اغتيال الكفاءات وتحديد الاهداف لتدميرها عسكرية ومدنية.وعمد جهاز الاستخبارات التركي بتعليمات من أردوغان احتضان عصابة داعش الارهابية، وتحولت اراضي تركيا الى اماكن تنقُل لارهابيي العصابة المذكورة، وأقامت قيادات تركية المشاريع الاستخبارية والشركات التجارية، مع قيادات داعش، من بيع للنفط السوري والاتجار بالاعضاء البشرية، واستثمرت عصابة داعش أموالها داخل تركيا وأودعتها في البنوك التركية، وراهن النظام التركي على العصابات الارهابية، وبشكل خاص عصابة داعش داخل سوريا والعراق.غير أن المعادلات تغيرت في الشهور الثلاثة الأخيرة، ووجدت تركيا نفسها مضطرة لمقاتلة العصابة التي دعمتها ورعتها وهي داعش، ومع أن هناك كميات كبيرة من الاسرار بين أنقرة وجهاز استخباراتها وبين داعش، الا أن المعارك احتدمت بين الجانبين، وبصورة واضحة في مدينة “الباب” السورية وحولها، وهذه المعارك المستمرة كبدت الجيش التركي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، في حين، تسبب القصف التركي في قتل المئات من المدنيين في “الباب”.وفي هذه المعارك، سقط ما يسمى بالجيش الحر المدعوم تركيا على أبواب مدينة الباب، ومجموعات “درع الفرات” التي يدعمها الاتراك عاجزة عن مساندة الجيش التركي، ويتضح، هنا، كيف أن الارهاب ارتد ليكتوي الاتراك بنيرانه، فها هي عصابة داعش التي ترعرعت في الحضن التركي تمارس حرب ابادة ضد القوات التركية التي عبرت الحدود نحو مدينة الباب، فالسحر قد انقلب على الساحر، والمراقبون ينتظرون كيف يمكن للجيش التركي أن يواجه هذه العصابة، ويحرر مدينة الباب.حيث خسر الجيش التركي الجولة الأولى من معركة الباب ضدّ تنظيم «داعش» وتعرّض لخسائر بشرية ومادية فاقت توقعاته الأولية. الخسارة كانت كبيرة ومُهينة لواحد من أكبر جيوش حلف «الناتو» لدرجة أثّرت في معنويات الضباط الأتراك المُشاركين في العملية، حتى أن ضابطاً كبيراً قدّم استقالته إلى قيادة الجيش، طالباً إعفاءه من العودة إلى جبهة القتال في الشمال السوري قبل أن يُقتل هناك.وان نُزهة التوغل في الأراضي السورية التي انطلق بها الجيش التركي من مدينة جرابلس وصولاً إلى دابق ومحيطها، تحوّلت عند أعتاب مدينة الباب إلى مُغامرة مجهولة النتائج. لذلك لم يكن مستغرباً أن يُطلق الجيش التركي أولى إشارات الاستغاثة باتجاه «التحالف الدولي» لعلّه يُنقذه من الغرق المُحتّم في مستنقع الاستنزاف الدموي الذي بدأ يغوص فيه.وتُعدّ معركة الباب معركة مصيرية بالنسبة إلى الغزو التركي، ومن ورائه حزب «العدالة والتنمية» والرئيس رجب طيب اردوغان. وقد يكون أهم تعبير عن أهمية هذه المعركة ما صدر عن رئيس «الحركة القومية» دولت باهتشلي، الذي يُعدّ الحليف الأبرز لأردوغان في حربه ضدّ «داعش» والأكراد وفي تمرير مشروع الدستور الرئاسي، حيث قال: «إذا خسرنا الباب فإننا سنخسر مدينة ديار بكر». ويكشف هذا التصريح مدى التخوّف التركي من تداعيات المعركة ومخاطرها على الأمن القومي التركي، لكنه يكشف أيضاً حقيقة التداخل بين الحروب التي تخوضها تركيا ضدّ «داعش» من جهة، وضدّ الأكراد من جهة ثانية، وهو ما يُضفي مزيداً من التعقيد على الواقع التركي الهشّ أساساً.ومن جانبه جدّد نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة نعمان قورتلموش، ، توصيفه لمعركة الباب بأنها «مسألة أمن قومي»، لكنّه حاول التخفيف من دلالات المُطالبة بتدخّل «التحالف الدولي» في المعركة، حيث شدّد على أن «تركيا تمتلك من القوّة والخبرة ما يُمكّنها من إتمام العملية وحدها من دون تلقّي أي مساعدة».وتُمارس الحكومة التركية تعتيماً إعلامياً كبيراً على مجريات معركة الباب، وتفرض على وسائل الإعلام المحلية عدم نشر أي أخبار عن التطوّرات الحاصلة فيها إلا بما يتناسب مع بيانات الجيش التركي. لذلك، فإن المعلومات حول المعركة وأحداثها، وأعداد الجنود الأتراك المُشاركين فيها، ونوعية العتاد والأسلحة المستخدمة، وعدد أولئك الذين قُتلوا أو أُصيبوا بسببها، تبقى غالباً مخفية وراء جدران من السرية.
وفي ظلّ الحملة الشعواء التي تقودها أجهزة الأمن التركية ضدّ وسائل الإعلام، لا يجرؤ الصحافيون الأتراك على اختراق الحظر، ونشر ما يملكونه من معلومات حول المعركة الأصعب التي ينخرط بها الجيش التركي منذ سنوات طويلة. وهو ما جعل الشارع التركي يعيش في تغييب تام عن العديد من الحقائق المؤلمة التي حفلت بها هذه المعركة، حتى أن خبر إحراق الجنديين التركيين من تنظيم «داعش» لم يجد منصّة إعلامية تركية تقوم بنشره بسبب الحظر الحكومي المدعّم بعقوبات زجرية قاسية على رأسها إغلاق المؤسسات واعتقال الصحافيين. لكن ما تبذل الحكومة التركية قصارى جهدها لإخفائه والتكتّم عليه، بدأ مؤخراً بالظهور من خلال بعض التصرّفات والتصريحات الصادرة عنها. فإرسال تعزيزات جديدة إلى جبهة القتال في محيط مدينة الباب قوامها من الجنود الأتراك، دليل على فشل الخطة العسكرية الموضوعة ووجود صعوبات يعاني منها الجيش التركي. كما أن المُطالبة بتدخّل «التحالف الدولي» في المعركة دليل آخر على عدم مقدرة الجيش التركي على حسم المعركة وحده.وفي هذا السياق، قالت مصادر تركية، إن الجيش عزّز القوات المُسلّحة المُشاركة في عملية «درع الفرات» المتواصلة شمالي سوريا بـ500 عنصر من «الكوماندوس» التركي و1400 من الفصائل السورية في مسعى لتسريع حسم معركة الباب التي دخلت مراحلها الحساسة.وأوضحت المصادر أن 500 من «الكوماندوس» التركي التحقوا بقوات الجيش التركي التي تخوض معارك طاحنة وحرب شوارع مع مسلّحي تنظيم «داعش» في مدينة الباب الاستراتيجية مع اقتراب إتمام السيطرة عليها. كما أشارت المصادر إلى أن 1400 من قوات «الجيش السوري الحرّ»، الذين خرجوا من حلب، التحقوا أيضاً بالمعارك الدائرة في مدينة الباب.وكان من الممكن التصديق أن معركة الباب دخلت مراحل الحسم الأخيرة، لولا أن المتحدث باسم الرئيس التركي ابراهيم كالين طالب بتدخّل «التحالف الدولي» في المعركة عبر تأمين التغطية الجوية، عادّاً «عدم تقديم الدعم اللازم أمراً غير مقبول». فلو كانت المعركة على وشك الحسم، لما كان هناك حاجة لمثل هذه المطالبة، خصوصاً أن «التحالف الدولي» استبق المعركة قبل أسابيع عدّة، وأعلن رسمياً أنه لن يُشارك بها.كما أن وقائع معارك الكرّ والفرّ، التي شهد جبل الشيخ عقيل أخطر فصولها، تدلّ على مدى حجم الصعوبات التي تقف في طريق الجيش التركي لانتزاع السيطرة على المدينة من تنظيم «داعش» الذي يُقاتل بشراسة كبيرة كيلا يخسر أحد أهم المعاقل المُتبقيّة له في ريف حلب الشرقي. فقد فشل الجيش التركي في تثبيت سيطرته على جبل الشيخ عقيل بعد نجاحه في الوصول إلى قمّته مرّتين مُتتاليتين، وذلك بسبب الهجمات المُضادّة التي شنّها انغماسيو «داعش» ضدّ المُهاجمين وتفجير المُفخّخات التي نفّذها انتحاريوه على الخطوط الأمامية والخلفية التي تتوزّع فيها قوات الجيش التركي وحلفاوه.وقد أوقعت هذه الهجمات والمُفخّخات خسائر كبيرة في أرواح الجنود الأتراك. واعترف الجيش التركي بسقوط 16 جندياً جراء مُفخّخات «داعش»، ، لكن مصدراً طبياً تركياً يعمل في مستشفى حدودي أكد أن عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير، مُتحدّثاً عن عشرات القتلى والجرحى.انعكس حجم الخسائر البشرية على معنويات ضباط الجيش التركي الذين يُشاركون في الأعمال القتالية في الباب، حتى أن ضابطاً كبيراً هو قائد القوات الخاصّة المُشاركة في المعركة تقدّم باستقالته إلى قيادة الجيش التركي، طالباً إعفاءه من مهامه القتالية في هذه المعركة، لكن الاستقالة رفضت وأمر الضابط بالعودة إلى جبهات القتال مجدداً حيث قُتل هناك. والضابط هو بولانت البيرق الذي يُعدّ من الضباط ذوي الخبرة العسكرية الكبيرة التي اكتسبها جراء مشاركته في العديد من المعارك ضدّ الأكراد داخل تركيا. وقد مارست السلطات التركية ضغوطاً كبيرة على بعض وسائل الإعلام لعدم نشر أي خبر عن تقديم الضابط استقالته.وكانت وجهة نظر بولانت البيرق، التي أوصلها إلى قيادته، أن اقتحام الباب غير ممكن بحسب الخطة الموضوعة، وأنه لا بدّ من تغيير التكتيك المُتّبع، إلا أن استعجال قيادة الجيش في دخول الباب حال دون أخذ رأيه في الاعتبار، ما دفعه إلى تقديم استقالته بعدما رأى حجم الخسائر التي تتكبّدها قوّاته في المعركة، حسب ما قال صحافي تركي رفض الكشف عن اسمه بسبب خشيته من ردّة فعل الحكومة. ونتيجة هذا التعثّر الذي تُواجهه معركة الباب، وبروز مؤشرات جدّية على عدم قدرة الجيش التركي على حسمها وحده، بدأت بعض الأصوات داخل كواليس حزب «العدالة والتنمية» تتهامس حول ضرورة حسم المعركة بسرعة، ومهما كانت الأثمان ولو اضطر الأمر إلى التفاوض مع الجيش السوري للتنسيق معه في هذه المعركة. ويعتمد هؤلاء على أن الفشل في السيطرة على الباب ستكون تداعياته خطيرة جداً على تركيا وأمنها القومي. ومثل هذا المطلب تدعمه المعارضة التركية بكل أطيافها. ومع ذلك، فإن مجرد صدور هذا الكلام عن مسؤولين داخل «التنمية والعدالة»، ولو بعيداً عن وسائل الإعلام، يُعدّ تطوّراً لا يُمكن تجاهله، حسب ما قال مصدر إعلامي تركي متابع للشؤون السياسية في بلاده.



