في رحاب سورة العصر


“وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ*وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” تلخِّص سورة العصر جميع المعارف القرآنية وتجمع شتات مقاصد القرآن في أوجز بيان ، ولها فضل عظيم كما روي عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “من قرأ سورة العصر ختم الله له بالصبر وكان مع أصحاب الحق يوم القيامة”وتتضمّن هذه السورة مجموعة من المفاهيم الهامة نتعرّض لها في سياق تفسيرها وهي: فلسفة خسارة الإنسان وسرُّ عدم خسارة المؤمنين، العمل الصالح منجٍٍ من الخسارة ومقويٍّ للإيمان، معنى التواصي بالحق وبالصبر، تلازم العمل الصالح مع الإيمان. أقسم سبحانه وتعالى بالعصر لأنّ فيه عبرة لذوي الأبصار، والقسم من الموارد التي تكرَّرت في القرآن الكريم في مواضع يبرز فيها جوانب الأهمية، وتهدف للتأكيد على موضوع القسم وإبراز أهميّته، والمراد بالعصر على الأشهر عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عصر طلوع شمس الإسلام على المجتمع البشري، وظهور الحق على الباطل. وذكر الشهيد مطهري رضي الله عنه أن الأنسب في المقام هو أن القسم بالزمان وتاريخ البشرية لأن القَسَم في القرآن يتناسب مع الموضوع الذي أقسم الله من أجله، فإذا أراد القرآن أن يبيّن أهمية ذلك العصر أقسم به، والمعلوم أن عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو عصر طلوع الإسلام.”إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ” جنس الإنسان: إنّ المقصود بالإنسان هنا هو جنسه، بمعنى أنّ الخسران الوارد في هذه الآية شامل لجميع أفراد البشر، ولعموم الإنسان المكلّف، فالألف واللام في لفظ “الإنسان” للجنس الذي يفيد الاستغراق في كل أفراد الإنسان، والإتيان بحرف للتأكيد على الكون في الخسران والاستغراق فيه. خسارة الإنسان: ذكر القرآن الكريم موضوع خسارة الإنسان للنفس أو المال أو الأهل أو الدنيا والآخرة في سبعين مورد، وهذا ما يبرز أهمية هذا المفهوم وضرورة تحديد مراد الله تعالى من خسارة الإنسان الذي يعدّ من أكرم المخلوقات وأفضلها عند الله تعالى.عندما ندقّق لغوياً في ألفاظ سورة العصر، نجد نوعاً من التأكيد والتشديد الوارد فيها من عدة جهات مثل: القسم: موضوع القسم الوارد هنا هو خسارة الإنسان، ولو لم يكن إلا القسم لكفى، وإنّ: حرف يفيد التوكيد، لفي: اللام حرف يفيد التوكيد، “إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ” والجملة اسمية تفيد التوكيد.الخسر والخسران والخسارة يعني نقصان رأس المال، لا النقصان فيما زاد أو فضل عنه من الأرباح ونحوها، وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر زيد، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته وعندما ندقّق في الخسر والخسران أكثر نجد أنه ذهاب رأس المال إما كلاً أو بعضاً، والخسران أبلغ من الخسر. وخسران النفس هو إيرادها مورد الهلكة والشقاء، بحيث يبطل منها استعداد الكمال فتفوتها السعادة، والخسارة هنا أشمل من الخسارة المالية أو الماديّة، إذ الخسارة المادية أو المالية في عمل أو تجارة ونحوه يمكن أن تعوَّض، أما الخسارة التي يخسرها الإنسان هنا فإنّه لا يمكن أن تعوّض. فماذا يخسر الإنسان؟ يخسر الإنسان رأسماله الحقيقي، وأغلى ما يملك في هذا الوجود وهو عمره، فالعمر في حالة نقصان وتسرّب دائمين، ويتناقص يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة ولحظة بعد لحظة، وبسرعة دون أدنى توقّف أو تأخر أو بطء، فتضعف قوى الإنسان المادية والبدنية والمعنوية، فالعمر كثروة ورأسمال كبير يؤخذ منه كل يوم شيء، رغماً عن صاحبه، فيكون في حالة خسران مستمر. ينقل أحد العلماء في تفسير هذه الآية عن أحد الصالحين أنّه تعلّم معنى هذه الآية من بائع ثلج، يعرض بضاعته تحت الشمس وكان يصيح ويقول: إرحموا من يذوب رأس ماله. فالمعلوم كما في الروايات أنّ كلَّ نَفَس من أنفاس الإنسان يقرّبه خطوة نحو الموت، روي عن الإمام علي عليه السلام “نفسُ المرء خطاه إلى أجله”.



