الصفات الرساليَّة للرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)

صباح الصافي..
يبيِّن الإمام السجاد (عليه السلام) في أدعيته مجموعةً من الصِّفات الرِّساليَّة التي اختَّص الله (تعالى) بها النَّبيَّ محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله)، وهي صفات تكشف عن منزلته عند الله (سبحانه)، وعن طبيعة الوظيفة التي اضطلع بها في تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة وقيادة الأمَّة. يقول الإمام (عليه السلام): “اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إِمَامِ الرَّحْمَةِ، وَقَائِدِ الْخَيْرِ، وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ“.
يفتتح الإمام (عليه السلام) هذا الوصف بكون الرَّسول المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) “أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ”، وهي صفة تعكس أعلى درجات الأمانة في تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة، فقد تلقَّى الوحي كما أنزله الله (تعالى)، ونقله إلى النَّاس من غير زيادة أو نقصان أو تبديل. وتمثِّل الأمانة في الوحي أساس صدق الرِّسالة وصيانة الشَّريعة من التَّحريف، وهو ما يؤكِّده قوله (تعالى): (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وتكشف هذه الآية أنَّ النَّبي المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) كان الواسطة الأمينة بين السَّماء والأرض، حافظًا للوحي الإلهي في جميع مراحل تلقيه وبيانه.
ويصفه الإمام (عليه السلام) بعد ذلك بأنَّه “ونَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ”، فيجمع هذا الوصف بين دلالتي التَّميُّز والاصطفاء الإلهي. ولفظ “النجيب” من الألفاظ الغنيَّة بالدلالات في اللغة العربية فـ” النَّجِيبُ من الرِّجال الكريمُ الحَسِيبُ… وقد نَجُبَ يَنْجُبُ نجابةً إِذا كان فاضلاً نَفيساً في نوعه… والنَّجابةُ: مَصْدَرُ النَّجِيبِ من الرِّجال، وهو الكريم ذو الحَسَب إِذا خَرَج خُروجَ أَبيه في الكَرَم؛ والفِعْلُ نَجُبَ يَنْجُبُ نَجابةً… والمُنْتَجَبُ: المُختارُ من كلِّ شيءٍ؛ وقد انْتَجَبَ فلانٌ فلاناً إِذا اسْتَخْلَصَه، واصْطَفاه اخْتياراً على غيره” ومن ثمَّ، فإنَّ وصف الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) بـ”نجيب” يشير إلى كونه المختار من بين جميع الخلق؛ لما امتاز به من أكمل الصِّفات الإنسانيَّة وأسمى الفضائل الأخلاقيَّة، فهو الأجدر بحمل الرِّسالة الإلهيَّة والأكمل استعدادًا لتحمُّل أعباء الهداية.
أمَّا الصفيُّ فهو من “الصَّفْوُ والصَّفَاءُ، مَمْدودٌ: نَقِيضُ الكَدَرِ، صفَا الشَّيءُ والشَّرابُ يَصْفُو صَفاءً وصُفُوّاً، وصَفْوُه وصَفْوَتُه وصِفْوَتُه وصُفْوَتُه: ما صَفَا منه، وصَفَّيْتُه أَنَا تَصْفِيَةً. وصَفْوَةُ كُلِّ شيءٍ: خالِصُه من صَفْوَة المالِ وصَفْوَةِ الإِخَاء” فنعرف من ذلك أنَّ الله (سبحانه) اصطفاه وطهَّره واختاره (صلَّى الله عليه وآله) لأداء أعظم المهام. ويشير هذا الوصف إلى أنَّ اختيار النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) جرى وفق العلم الإلهي المحيط بكماله واستعداده لحمل الرِّسالة الخاتمة، كما روي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “إنَّ اللَّهَ اصطَفى مُحَمَّداً صلَّى الله عليه وآله بِالرِّسالَةِ، وأنبَأَهُ بِالوَحيِ، وأنالَ فِي النَّاسِ وأنالَ، وفينا أهلَ البَيتِ مَعاقِلُ العِلمِ وأبوابُ الحِكمَةِ وضِياءُ الأَمرِ، فَمَن يُحِبُّنا مِنكُم نَفَعَهُ إيمانُهُ ويُقبَلُ مِنهُ عَمَلُهُ، ومَن لَم يُحِبَّنا مِنكُم لَم يَنفَعهُ إيمانُهُ ولا يُقبَلُ مِنهُ عَمَلُهُ” وهو ما ينسجم مع مضمون هذا الدُّعاء في بيان منزلة الاصطفاء الإلهي.
ثمَّ يصف الإمام السجاد (عليه السلام) النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه “إِمَامِ الرَّحْمَةِ”، وهو وصف يكشف عن أنَّ الرَّحمة كانت السِّمة الجامعة لشخصيَّته ورسالته وسيرته، فقد اتَّخذ من الرَّحمة منهجًا في الدَّعوة، وأساسًا في التَّعامل مع المؤمنين وغيرهم. ومن هنا جاء التَّعبير بالإمامة؛ لأنَّ الرَّحمة كانت تقود جميع مواقفه وأحكامه، أو لأنَّ النَّبيَّ هو القدوة التي تُعرف من خلالها حقيقة الرَّحمة الإلهيَّة في حياة الإنسان. ويتوافق هذا المعنى مع قوله (تعالى): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقوله (سبحانه): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) كما روي عنه (صلَّى الله عليه وآله): “إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ” وهو تعبير يجسِّد حقيقة رسالته القائمة على الهداية، والرَّأفة بالخلق.
ويتابع الإمام (عليه السلام) وصف النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه “قَائِدِ الْخَيْرِ”، في إشارة إلى أنَّه الدَّليل الذي يهدي البشريَّة إلى كلِّ ما فيه صلاح دينها ودنياها. فالقيادة هنا تشمل الإدارة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، وتمتدُّ إلى توجيه الإنسان نحو الفضائل والقيم الإلهيَّة، وإبعاده عن مسالك الضَّلال والانحراف. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدَّور بقوله (تعالى): (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) كما قال (سبحانه): (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) فكان (صلَّى الله عليه وآله) القائد الذي يجمع بين الهداية العلميَّة والعمليَّة.
ويختم الإمام السجاد (عليه السلام) هذا المقطع بوصف النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه “مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ”، و”البَرَكة: النَّماء والزِّيادة. والتَّبْريك: الدعاء للإِنسان أو غيره بالبركة. يقال: بَرَّكْتُ عليه تَبْريكاً، أي: قلت له: بارك الله عليك. وبارك الله الشَّيءَ وبارك فيه وعليه: وضع فيه البَرَكَة” ومن هذا المعنى اللغوي يتبيَّن أنَّ البركة في المفهوم القرآني تعني ثبوت الخير ونماءه واستمراره. وقد كانت الرِّسالة المحمَّديَّة بابًا لبركات الله (تعالى) في العقيدة والتَّشريع والأخلاق والعُمران، فمن خلالها عرف الإنسان طريق الهداية، واستقامت حياته الفرديَّة والاجتماعيَّة. ويشهد لذلك قوله (تعالى): (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
المحور الثَّالث: تضحيات الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)
تكشف الصَّحيفة السجاديَّة عن جانبٍ جوهري من شخصيَّة الرَّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، يتمثَّل في حجم التَّضحيات التي قدَّمها في سبيل إبلاغ الرِّسالة الإلهيَّة وإقامة الدِّين. فقد رسم الإمام السجاد (عليه السلام) صورةً متكاملة لجهاد النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، موضحًا أنَّ طريق الدَّعوة والتَّبليغ امتلأ بالمشقة والابتلاء، وكان النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) المثال الأكمل في الصَّبر والثَّبات والإخلاص لله (تعالى). يقول الإمام (عليه السلام): “كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ، وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ، وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أُسْرَتَهُ، وَقَطَعَ فِي إِحْيَاءِ دِينِكَ رَحِمَهُ، وَأَقْصَى الْأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ، وَقَرَّبَ الْأَقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ، وَوَالَى فِيكَ الْأَبْعَدِينَ، وَعَادَى فِيكَ الْأَقْرَبِينَ، وَأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ، وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعَاءِ إِلَى مِلَّتِكَ، وَشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأَهْلِ دَعْوَتِكَ“.
قدَّم الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا المقطع تصويرًا بليغًا لما بذله الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في سبيل أداء الرِّسالة الإلهيَّة؛ إذ قال: “كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ”، وهي عبارة تختزل ما تحمَّله النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) من عناءٍ ومشقَّة في تنفيذ أوامر الله (تعالى) وتبليغ دينه. وتكشف المعاجم اللغويَّة عن دلالات متعدِّدة لكلمة “النَّصَب”؛ من أبرزها ” النَّصَبُ: الإِعْياءُ من العَناءِ… ونَصبَ الرجلُ: جَدَّ…” وعليه يكون معنى العبارة أنَّ الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) جعل نفسه عُرضةً للمشقَّات، وبذل أقصى طاقته في إنفاذ أمر الله (تعالى) وإقامة رسالته.
وتحمل الكلمة دلالةً أخرى لا تقل أهميَّة، وهي معنى الإقامة والرَّفع، فقد جاء في اللغة: “النَّصْبُ: وَضْعُ الشَّيءِ ورَفْعُه” “وعلى هذا المعنى “يكون المراد بنفسه عليَّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فإنَّه نفسه بحكم اللّه (عزَّ وجلَّ) وحكم الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، قال الله (تبارك وتعالى): (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) والمراد به علي عليه السّلام إجماعًا، وقوله (صلَّى اللّه عليه وآله): “ياعليُّ، نفسُك نفسي، وحربُك حربي”، وقد استفاض عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ)، قوله “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَاجّاً، فَنَزَلَتْ: فَإِذٰا (فَرَغْتَ) مِنْ حِجَّتِكَ فَانْصَبْ عَلِيّاً لِلنَّاسِ”، وقوله (لأمرك)؛ أي: لأجل مصالح دينك؛ فإنَّ به كان تمام دين الإسلام، بحكم قوله (تعالى): (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ولأنَّك أمرته به بقولك: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
فنخلص من ذلك أنَّه جعل حياته (صلَّى الله عليه وآله) كلَّها، وجعل حياة أهل بيته (عليهم السلام) وقفًا على تنفيذ الأمر الإلهي، فلم يكن له هدف يعلو على إبلاغ الدِّين وإقامة شريعة الله (سبحانه). ويكشف هذا التَّعبير عن أسمى مراتب الإخلاص والتَّفاني، حيث انصرفت طاقات النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى أداء التَّكليف الإلهي دون التفات إلى ما يترتب عليه من مشقَّة أو حرمان. ويؤيِّد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله (تعالى): (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ؛ إذ تجسِّد سيرة النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) التَّطبيق العملي لهذا المبدأ.




