أعمال حسن فالح.. عندما نرى الطف أرضاً للصراع المتجدد بين الحق والباطل

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..
ليس كلُ ظلامٍ غيابًا للنور، هناك ظلام تصنعه القلوب حين تفقد إنسانيتها، وهناك عتمةٌ تتكاثف حول الحقيقة كلما حاول الظلم أن يحجبها، غير أن الحقيقة حتى وهي محاصرة، لا تختفي قد تنسحب إلى أعماق الروح، وقد تتحول إلى همسٍ خافت لكنها تبقى قادرةً على كشف الوجوه وفضح القبح الذي يحاول التأريخ أن يمنحه هيأةً مقبولة، من هذه العتمة يخرج عمل الفنان حسن فالح في معرض ذاكرة الدمع.
لا يستعيد العمل واقعة الطف مشهدًا من الماضي، ولا يتكئ على الحكاية المألوفة، بل ينفذ إلى المنطقة التي خلّفها الظلم وراءه إلى ذلك الوجه القاتم الذي يظهر حين تنفصل القوة عن الرحمة، وحين يتحول الإنسان إلى أداةٍ لا ترى في الآخر إلا خصمًا ينبغي إلغاؤه، لا تتقدم الوجوه هنا باعتبارها ملامح واضحة أو شخصيات مكتملة، بل تبدو كأنها خرجت من دخانٍ كثيف.
وجوه متجاورة، وملامح متكسرة، وهيآت فقدت استقرارها، حتى يغدو القبح حالةً روحية قبل أن يكون هيأةً مرئية، لقد تحوّل التشوّه إلى لغة تكشف اضطراب الداخل فكلما غابت الملامح الواضحة، ظهر معنى أكثر قسوة، أن الظلم لا يكتفي بإيذاء الآخرين، بل يطمس وجه من يمارسه، ويُفقده ملامحه الإنسانية.
يتمدّد السواد في فضاء اللوحة، وتذوب الشخصيات في طبقاته، كأن العتمة لا تحيط بها من الخارج، بل تتسرّب إلى أعماقها. تتراكم درجات الرمادي والأسود، وتبدو ضربات الفرشاة خشنةً ومضطربة، كما لو أنها تحاول الإمساك بصورةٍ تتفلت منها. وتمنح هذه التقنية سطح العمل كثافةً بصرية وتشحنه بقلقٍ داخلي، وتحوّل اللون إلى ذاكرةٍ للخراب، وإلى أثرٍ باقٍ لما تتركه القسوة في الروح.
لكن وسط هذا السواد، يظهر أثرٌ لوني مختلف، يمتد بين الكتل المعتمة كجرحٍ لا يزال يحتفظ بحرارته إنه حضور الدم، ذلك الدم الذي لم يبقَ على أرض الطف، بل تحول إلى سؤال يعبر الزمن كيف يمكن للحق أن يبقى حيًّا أمام هذا القدر من الظلام؟، يصبح الأحمر علامةً تقاوم الذوبان.
وبين المساحات القاتمة، يبدو اللون الدافئ وكأنه يرفض أن يُمحى، وكأن الحقيقة، مهما أُحيطت بالعتمة، تترك أثرًا يدل عليها. وهنا لا يعود الدم نهايةً للمشهد، بل بدايةً لمعنى أكبر معنى يظل قادرًا على الحياة، وعلى استدعاء الضمير كلما حاول النسيان أن يطوي الحكاية.
ومن هذا المعنى يحضر الإمام الحسين “عليه السلام” في العمل صورةً مرسومة بل موقفًا. حضورٌ أخلاقي يواجه القبح دون أن يشبهه، ويقف أمام الظلم دون أن يتعلم لغته. إن الحسين هنا هو النور الذي لا نراه مباشرة، لكننا ندركه لأن العتمة المحيطة تكشف حاجتنا إليه. إنه المعنى الذي يمنح التضحية امتدادها ويجعل من الدم رسالةً لا تنطفئ.
وهذا ما يمنح العمل عمقه فهو لا يرسم الحسين (ع) لكي نراه، بل يرسم العالم الذي احتاج إلى الحسين. يرسم القبح كي يجعلنا نفهم معنى الجمال الأخلاقي ويرسم الظلام كي ندرك قيمة النور، ويستحضر الوجوه المضطربة كي يضع أمامها وجهًا آخر لا يظهر على سطح اللوحة، لكنه حاضر في جوهرها: وجه الحق.
لقد جعلت تقنية التعتيم، وتراكب الطبقات، وتداخل الخطوط، العمل أقرب إلى ذاكرةٍ مثقلة منها إلى مشهدٍ مكتمل. فكل شيء يبدو وكأنه يخرج من الماضي، لكنه في الوقت نفسه يقترب من حاضرنا. وهنا تتجاوز اللوحة حدود الواقعة التأريخية، لتصبح سؤالًا مفتوحًا عن كل ظلمٍ يحاول أن يرتدي ثوب القوة، وعن كل حقيقةٍ تدفع ثمن بقائها إنها لا تنطق بالكلمات، بل بالتناقض، ظلامٌ يفضح نفسه، وقبحٌ يكشف عجزه أمام الطهارة، ودمٌ يرفض أن يتحول إلى نهاية.
في عمل حسن فالح، لا تبدو الطف أرضًا بعيدةً في التأريخ، بل مرآةً نرى فيها الصراع المتجدد بين الحق والباطل. أما الإمام الحسين “عليه السلام”، فيبقى المعنى الذي لا تستطيع العتمة ابتلاعه، لأن الدم الذي سُفك دفاعًا عن الكرامة لم يذهب إلى التراب وحده.
لقد صار نورًا في ضمير الزمن، وصار كلما اشتد الظلام، أكثر قدرةً على أن يدلَّ الأجيال إلى طريق الحق.



