اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام المجتبى شهيد الحرب على الفساد

محمد علي جواد تقي

والله لو أعطيت الأقاليمَ السبعة بما فيها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلبَ شعيرة ما فعلت“.

أمير المؤمنين، عليه السلام.

تحت هذا الشعار الخالد سار الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام، في قيادته للأمة بعد استشهاد أبيه في محراب الكوفة على يد حَمَلة الافكار الفاسدة، فهو مشروع رسالي –إصلاحي في الأمة، كما يشمل برعايته العالم كله، وكان رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قد أبلغ وصيّه أمير المؤمنين بأن “ستقاتل على التأويل كما قاتلتُ على التنزيل”، أي أن القضية لا تتوقف عند العقيدة فقط، وإنما تمتد الى الفكر والسلوك.

فمن أهم التحديات أمام الإيمان بالأمة في تلك الفترة التأسيسية؛ غياب المنظومة الفكرية الصحيحة الدالة على المنهج الصحيح والتفسير الدقيق للقيم مثل؛ القيادة والحرية، والعدالة، والأخلاق، رغم أن رسول الله بين الخطوط العريضة من خلال سيرته الوضاءة، بيد أن المسلمين في المدينة عجزوا عن الجمع بين الإيمان بالعقيدة والالتزام بالأحكام الدينية، واستيعاب تلك الاشارات الدالة الى معايير القيادة الصالحة، وكيف يتعاملون مع قيمة الحرية الفردية، كما في قصة ذلك الرجل الذي استثنى نخلة واحدة وسط بستان باعه لأحد الاشخاص، ورفض بيعها وفق قانون “الناس مسلطون على أموالهم”، فجاء النبي الأكرم بقاعدة جديدة لأول مرة ليحدد مساحة حرية التصرف بالأموال والممتلكات بأن “لا ضررَ ولا ضِرار في الاسلام”، بعد أن قلع النخلة عنوة وأعطاها لصاحبها ليزرعها في مكان آخر.

مسائل عديدة بينها رسول الله في حياته القصيرة بين المسلمين وهي عشر سنوات فقط، لكن بقيت مسألة القيادة عصيّة على الفهم الصحيح عند المسلمين كونها ترتبط بالثقافة الجاهلية مباشرة، حيث منطق القوة والهيمنة لإثبات الوجود متجذرٌ في نفس الانسان العربي آنذاك، وهو المنطق السائد في العالم بأسره قبل بزوغ فجر الإسلام، واستبشار أهل العالم بقيم السلم، والرحمة، والتسامح، وهي التي تعرضت للتشوّه في الأذهان لمجرد رحيل النبي الأكرم عن الحياة الدنيا، وحتى اليوم الذي آب المسلمون الى رشدهم بعد أن استشعروا مرارة فقدانها مطالبين أمير المؤمنين بتولّي الخلافة السياسية.

ومن أبرز القيم الجاهلية؛ الاحتكام الى قوة المال بدلاً من قوة الإيمان، يكفي أن نأتي بمثل واحد لاثنين ممن صحبوا رسول الله وشاركوا معه حروبه، وسمعوا منه كلامه، أحدهما استحوذ على الملايين من الدنانير والدراهم بدعوى منصب “الخلافة”، وهو عثمان بن عفان، بينما مات الآخر جوعاً وعطشاً في صحراء الرَّبَذة القاحلة منفياً بقرار نفس هذا الخليفة! وهو الصحابي الجليل؛ أبو ذر الغفاري.

إن تجمع المسلمين حول أمير المؤمنين باسطين أيديهم لمبايعته خليفة لرسول الله، لم يُلغِ هذه الثقافة الجاهلية المتجذرة في النفوس، وقد أنبأهم بشكل غير مباشر بها بقوله: “أكون لكم وزيرا خيرٌ لي من أن أكون أميرا”، بيد أن مشكلة الناس في كل زمان ومكان؛ رؤيتهم المحدودة، واندفاعهم لمصالحهم الآنية في تعاملهم مع قائدهم، فهم يتطلعون الى المال والامتيازات وفرص العمل قبل أن يتطلعوا الى العدالة والحرية وحتى الكرامة، وعندما اقترح عليه أحدهم بأن ينثر الاموال على القادة العسكريين لضمان ولائهم، ويشتري ضمير الشعراء كما يفعل معاوية، أجابهم: “تأمرونّي أن أطلب النصر بالجور”، بمعنى أن الاموال والامتيازات التي تلقى في أفواه المتزلفين والانتهازيين، لابد أن تقتطع من أفواه الناس (المواطنين).

وفي سياق الحديث عن آلية القيادة عند الامام الحسن المجتبى، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده الأليمة، تجدر الاشارة الى أنه، عليه السلام، كان مراعيا لعنصر الحوافز المادية عند جنوده، فقد رفع سقف الرواتب بمستوى الضعف، “وكان أول شيء أحدثه الحسن أنه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك”. (مقاتل الطالبيين- أبي الفرج الاصفهاني)، بيد أن العقلية الجاهلية الفاسدة لم تكن تقنع بهذا العطاء العادل والمجزي، بل بنمط العطاء الأموي المُضلّ كما تجسّد في أشخاص قياديين في جيش الإمام الحسن مثل؛ عبيد الله بن العباس، الذي محضه الامام ثقته وسلّمه قيادة جيش من اثني عشر ألف مقاتل من “فرسان العرب وقراء المصر”، يقول الامام، عليه السلام، ثم يردف بالوصية له بالعناية بهم فإنهم “بقية ثقة أمير المؤمنين”، بما يعني أنهم كانوا الفرقة الذهبية حسب الاصطلاح المعاصر، ولكن لم تُجدِ وصية الامام الحسن، ولا ثقته العالية، ولا حتى اعتماده على رجل موتور من معاوية القاتل اثنين من ولده، بل وحتى القرابة اللصيقة، إنما الفيصل كان في رقم المليون درهم منّاه بها معاوية ليتخلّى عن جيش الإمام الحسن، وقد فعل ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى