اللاعنف في منهج الإمام الحسن المجتبى (ع)

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي..
شهد التأريخ الإسلامي المبكر، تحولات سياسية واجتماعية عميقة، كان أبرزها ما عُرف بـ”عام الجماعة” في (41 هـ)، وهو العام الذي تجلت فيه أعلى مراتب الحكمة السياسية والشرعية عبر قرار الصلح الذي اتخذه الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم يكن هذا القرار مجرد مناورة سياسية مؤقتة، بل كان تطبيقًا عمليًا وتأصيلًا معرفيًا لـ”نظرية اللاعنف” وإدارة الأزمات بحقن الدماء وحفظ السلم الأهلي.
لذا سنتتبَّع ملامح نظرية اللاعنف في الفكر السياسي والاجتماعي للإمام الحسن (عليه السلام)، بالاستناد إلى خطبه ورسائله وحكمه المأثورة، مع بيان الأبعاد المقاصدية والأخلاقية التي انطلقت منها هذه الرؤية، على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأنَّ تراث الإمام الحسن (عليه السلام) أكبر وأسمى من أن تحيط به ورقة مقال، لكنَّنا نُشير إلى هذا التراث في هذه الورقة، علَّها تكون مفتاحًا لدراسات وبحوث في تراث كريم أهل البيت (عليه السلام)، فمنهجه في اللاعنف نجده في:
أولًا: المفهوم التأسيسي للاعنف عند الإمام الحسن (عليه السلام)
لا ينطلق اللاعنف في فكر الإمام الحسن من منطلق الضعف أو العجز العسكري، بل من فلسفة مبدئية تقدم “الإصلاح وحقن الدماء” على المصلحة السياسية الضيقة والسلطة الحزبية. فالقوة في منظوره هي ضبط النفس والقدرة على صياغة السلام في أحلك الظروف. وتتجلى هذه الفلسفة في قوله (عليه السلام) موضحًا حقيقة الشرف والمنعة: “العظمةُ أنْ تَحتمِلَ المَغْرَمَ، وتَبْذُلَ المَغْنَمَ”، حيث إن تأخير “المغنم”، وهو السلطة والحكم في سياق الصلح، بهدف تحمّل “المغرم”، وهو حفظ دماء الأمة ووحدتها، يمثل الركيزة الأساسية لسياسة نزع السلاح وإحلال السلم البديل. وبهذا جاءت الجملة الاسمية لتفيد الثبات وتوطيد المفهوم التأسيسي للبذل، حتى ولو كان على حساب مصلحته الشخصية، فقد أعطى الإمام المجتبى في هذا القول، أروع مقاليد الإيثار من أجل إحلال السلام ونبذ العنف.
ثانيًا: تجليات نظرية اللاعنف في الخطب والرسائل
يمكن تقسيم معالم اللاعنف في خطاب الإمام الحسن إلى محاور عدَّة، منها:
1- تقديم السلم الأهلي على مكاسب السلطة: في خطبته الشهيرة بعد إبرام الصلح، أوضح الإمام الحسن (عليه السلام) للجمهور الدوافع الحقيقية وراء خطوته، مؤكدًا، أن معيار النجاح والفشل ليس الحيازة المادية للسلطة، بل صيانة الأمة من الفناء. إذ قال (عليه السلام): “أيها الناس، إنّ أكْيَسَ الكَيْسِ التُّقَى، وأعْجَزَ العَجْزِ الفُجُورُ، وإنّ هذا الأمر الذي اختلفْتُ فيه أنا ومعاويةُ هو حَقٌّ كان لي تَرَكْتُهُ لِمُعاويةَ إرادةَ صَلاحِ هذه الأمةِ، وحَقْنِ دمائِها”، وبهذا التنبيه كشف الإمام الحسن السبط (عليه السلام) للناس، أنَّ الحق له، وأنَّه آثر فيه لمعاوية حقنًا لدمائهم، وهذه من الكياسة التي يجب على كل حاكم أن يتحلَّى بها لأجل البقاء على حياة شعبه؛ لأنَّ الحكم غايته صيانة حياة الإنسان، وليس العمل على فنائهم.
2- معالجة سيكولوجية العنف والتطرف: كان المجتمع الكوفي يعيش حالة من الغليان والاحتقان العسكري، وقد واجه الإمام الحسن (عليه السلام) هذا التيار المتطرف بخطاب عقلاني هادئ، مبينًا، أن الشجاعة الحقيقية ليست في الاندفاع نحو الحرب العمياء، بل في امتلاك البصيرة. وفي حوار له مع من عتب عليه من أصحابه لاعتزاله الحرب، قال: “إني خشيت أن يُجتث المسلمون عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناعق”. هذا الوعي بالمآلات يمثل في الفكر السياسي الحديث ما يُسمى “أخلاق المسؤولية” أو (Ethics of Responsibility)، حيث تُقاس الأفعال بنتائجها وآثارها على حياة البشر ومستقبلهم. وقد عمل الإمام الحسن بالإبقاء على حياة المسلمين لمعرفته بمآل الحرب والمواجهة التي ستؤدي إلى الفتك بالمسلمين، وفل عضدهم، وتشتت أهوائهم، فنظر بعين المتبصِّر في منظار المستقبل الذي سيخلو من المفهوم الأساس للإسلام، فالحفاظ على المسلمين يؤدي إلى استمرارية الدين الذي أراده رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ثالثًا: القواعد الأخلاقية والاجتماعية للاعنف في حكمه (عليه السلام)
لم يقتصر فكر اللاعنف عند الإمام الحسن على الجانب السياسي والصلح الشهير، بل تعداه ليكون منهجًا سلوكيًا وتربويًا لبناء مجتمع متسامح، ويمكن رصد ذلك عبر ما جاء في سيرته العطرة، وذلك نجده في:
- الحكمة المأثورة عن الإمام الحسن (عليه السلام) في البُعد الأخلاقي والاجتماعي لنبذ العنف، إذ قال: “الحِلْمُ كَبْتُ الغَيْظِ، ومِلْكُ النَّفْسِ” فالسيطرة على الانفعالات الأولية المسببة للعنف الفردي والمجتمعي من ملك النفس عند الغيظ تؤدي إلى التحلُّم والحفاظ على التماسك المجتمعي، وهذا هو الحلم في مفهوم كريم أهل البيت (عليهم السلام).
2– التكافل الاجتماعي: يتميَّز الإمام الحسن بحثِّه على التعاون والتكافل والانسجام المجتمعي، وفي ذلك قال: “السَّمَاحُ هُوَ الْبَذْلُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ”، أراد بذلك تعزيز روح التكافل لنزع فتيل العنف الاقتصادي والطبقي.
- التسامح وإشاعة روح المحبَّة: دعا الإمام الحسن (عليه السلام) إلى بث روح التسامح في المجتمع، وقد أشرنا إلى ذلك في مقال سابق بعنوان “الأسلوب الحكيم عند الإمام الحسن (عليه السلام)” وفصَّلنا القول فيه. ومن أقواله المأثورة في التسامح قوله: “لا تُعاجِلِ الذَّنْبَ بِالعُقُوبَةِ، واجْعَلْ بَيْنَهُما لِلإعْتِذارِ طَرِيقًا”، ففتح باب الحوار والتسامح وإعطاء الفرصة للآخر للتراجع دون اللجوء إلى القوة، وهذا من أبرز مظاهر نبذ العنف والمواجهة المهلكة.
رابعًا: الأبعاد المقاصدية لصلح الإمام الحسن (عليه السلام)
إنّ قراءة فكر الإمام الحسن (عليه السلام) بعيون المعاصرة تكشف عن تأصيله لثلاثة مقاصد كبرى في نظرية السلم واللاعنف، منها حفظ النفس الإنسانية: وهو المقصد الشرعي الأعلى الذي قدمه الإمام على الحقوق السياسية الشرعية الخالصة له.
والاستقرار الاجتماعي: وهو إيقاف سلسلة الحروب الأهلية، الجمل وصفين والنهروان، التي أنهكت الجسد الإسلامي، وإعطاء فرصة لالتقاط الأنفاس وبناء المجتمع داخليًا.



