اخر الأخبار

الموعظة وخصالها

روى الكلينيّ قدس سره في الكافي عن عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَن شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام، قَالَ: “كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى الْحُسَيْنِ عليه السلام: عِظْنِي بِحَرْفَيْنِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: مَنْ حَاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ الله كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَأَسْرَعَ لِمَجِي‏ءِ مَا يَحْذَر” من الملاحظ في الرَّجل الَّذِي أُلقيت إليه هذه الموعظة أنَّه يتميّز بخصلتين: الخصلة الأُولى: أنَّه طلب الموعظة وسعى نحوها: فإنَّ هناك صنفاً من النّاس تأتيه الموعظة ولا يتّعظ بها، وصنفاً آخر منهم يسعى بنفسه نحو الموعظة. وهذا الرجل من الصِّنف الثاني, حيث كتب هو إِلَى المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام يطلب منه أنْ يعظه، فكانت الموعظة. ولا شكّ أنَّ الصِّنف الثاني هو الأفضل، خصوصاً إذا عمل بمقتضى الموعظة التي يطلبها. وفي كُلِّ لحظةٍ من لحظات حياة الإنسان، هذا المخلوق الضعيف، نرى أنَّه يمرُّ بالمواعظ والعبر من دون أنْ يلتفت إليها، كيف والدُّنيا “دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظ”؟ وعن أمير المؤمنين عليه السلام: “إِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَعِبْرَةً لِذَوِي اللُّبِّ والاعْتِبَارِ” وعنه أيضاً: “مَنْ كَانَتْ لَهُ فِكْرَةٌ فَلَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِبْرَة”وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَتَبَ هَارُونُ الرَّشِيدُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام عِظْنِي وَأَوْجِزْ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: “مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ تَرَاهُ عَيْنُكَ إِلَّا وَفِيهِ مَوْعِظَة” فالطَّالِب للموعظة تارةً يكون طالباً لموعظةٍ عامّة تصلح لكلّ أحدٍ، نظير الأدوية الشائعة، والتي تكون في متناول يد الجميع، وتصلح للاستشفاء مِمّا شاع من الأمراض وعمّ، كأدوية الصداع والإسهال والإمساك ونحو ذلك من الأمراض الشائعة والعامة. وأخرى يكون طالباً للموعظة الخاصّة التي تتناسب مع ابتلاء ومرض خاصٍّ وقع فيه، أو الموعظة التي تتناسب مع نفسيّةٍ خاصّة لشخصٍ ما. فالأوّل لا يحتاج إِلَى أكثر من أنْ يرى بعين بصيرته، فإنّه وإنْ كان “فِي كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَة”، لكنّ الأعمى لا يُبصِر الطريق وإنْ كان واسعاً وسهل العبور. فهو يحتاج إِلَى الطلب، ولكن طلبه يكون بالسعي نحو رفع الغشاوة وإزالة الحجب.والثاني بحاجةٍ إِلَى البحث عن طبيبٍ يداوي له مرضه، ويصف له ما يلزمه في دنياه وآخرته. والطبيب، وإنْ كان يذهب أحياناً نحو المرضى، ولكن إنْ كان المرض خاصاً، مع ندرة الطبيب الخبير به، حينئذٍ يصبح لزاماً على المريض أنْ يسعى جهده للمثول بين يدي الطبيب للاستفادة منه، حتى لو أدّى ذلك إِلَى صرف الأموال الطائلة وطيّ المسافات الشاسعة للوصول إليه.الخصلة الثانية: أنَّه طالبٌ للموعظة المختصرة:الانشغال في شؤون الحياة الدنيا لا ينبغي أنْ يكون مانعاً للإنسان عن طلب الموعظة, إذ كما أنَّ للجسد حاجات يقتضي الأمر طلب الرزق لأجلها، كذلك للروح حاجات لا تلبّى إِلَّا بالطلب، وكثرة الانشغال في المقام الأوّل لا ينبغي أنْ تكون على حساب المقام الثاني.وعلى هذا الأساس ورد في جملة من النصوص استحباب الإجمال في الطلب في المقام الأوّل وعَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام، قَالَ: “لِيَكُنْ طَلَبُكَ لِلْمَعِيشَةِ فَوْقَ كَسْبِ الْمُضَيِّعِ وَدُونَ طَلَبِ الْحَرِيصِ الرَّاضِي بِدُنْيَاهُ الْمُطْمَئِنِّ إِلَيْهَا وَلَكِنْ أَنْزِلْ نَفْسَكَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنْصِفِ الْمُتَعَفِّفِ تَرْفَعُ نَفْسَكَ عَنْ مَنْزِلَةِ الْوَاهِنِ الضَّعِيفِ وَتَكْتَسِبُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ. إِنَّ الَّذِينَ أُعْطُوا الْمَالَ ثُمَّ لَمْ يَشْكُرُوا لَا مَالَ لَهُم” ومع قطع النّظر عن ذلك، فإنّ الانشغال بطلب الرزق وشؤون الدُّنيا مهما كَثُر، فلن يُعدِم الإنسان وقتاً ـ ولو قليلاً ـ بأنْ يسعى نحو موعظةٍ مختصرةٍ “بِحَرْفَيْنِ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى